حفنه ملح بقلم ندى الجمل ١

عدى يومين، وأنا لسه زعلانة من أحمد. لا بقيت أحكيله حاجة، ولا حتى بقى ليا نفس أقعد معاه.
أما حماتي، فكانت كل ما تشوفني تبتسم ابتسامة مستفزة، وكأنها انتصرت.
وفي تالت يوم، وإحنا قاعدين بنتغدى، سمعنا خبط جامد على باب الشقة.
أحمد قام فتح الباب، واتفاجئ بأخته نجلاء داخلة وهي بتعيط.
قالها بفزع: “مالك يا نجلاء؟ إيه اللي حصل؟”
قعدت على أول كرسي وهي بتنهج وقالت: “ماما… ماما وقعت في السوق، والناس نقلوها المستشفى.”
جرينا كلنا على المستشفى.
لقينا حماتي على السرير، والدكتور بيقول إنها ضغطها علي جدًا بسبب الانفعال، وإنها لازم تبعد عن أي عصبية أو مشاكل.
وأنا واقفة، افتكرت منظر أمي وهي واقفة على السلم، مكسورة ومحرجة قدام الجيران.
لكن أمي… رغم كل اللي حصل لها… كانت أول واحدة دخلت الأوضة تطمن على حماتي.
ابتسمتلها وقالت: “سلامتك يا أم أحمد… ربنا يقومك بالسلامة.”
حماتي بصتلها وسكتت… ولا عرفت ترفع عينها في عين أمي.
لأول مرة أشوفها مكسورة.
وأول ما خرجنا من المستشفى، أحمد وقفني في الطرقة وقال بصوت واطي:
“ليلى… أنا ظلمتك.”
بصيتله من غير ما أتكلم.
قال وهو ندمان: “نجلاء حكتلي إن ماما من ساعة اللي حصل وهي كل يوم تحكي للناس إن أمك بتعمل أعمال، والجيران ابتدوا يتكلموا عليها… وأنا لما عرفت، حسيت قد إيه كنت غلطان لما سكت.”
قولتله وأنا ببص في عينه:
“أنا مش زعلانة علشان نفسي… أنا زعلانة علشان أمي. الست دي عمرها ما أذت حد، وإنت أول واحد كان المفروض يدافع عنها.”
نزل أحمد راسه في الأرض من الكسوف، وقال:
“عندك حق… وأنا مش هسيب حقها يضيع.”
ولأول مرة من يوم جوازنا، شوفته رايح لأمه… مش علشان يطمن عليها، لكن علشان يقولها الكلمتين اللي كان لازم يتقالوا من أول يوم.
النهاية دي تفتح الباب لمواجهة قوية جدًا بين أحمد وأمه، وهي هتكون
رجعنا البيت، وأول ما دخلنا، أحمد قفل باب الشقة وبص لأمه وقال بهدوء:
“ماما… عايز أتكلم معاكي.”
حماتي ابتسمت وقالت: “خير يا حبيبي.”
قال وهو بيبص في عينيها: “إنتِ ليه أهنتي أم ليلى؟”
اتغير وشها وقالت: “أنا؟! أنا عملت إيه؟ ده شوية ملح علشان أحصن البيت، وبعدين الناس دي معروف عنهم…”
قاطعها أحمد لأول مرة في حياته وقال بصوت عالي:
“بس!”
البيت كله سكت…
حتى أخته نجلاء اتصدمت، لأنها أول مرة تشوف أخوها يكلم أمه بالطريقة دي.
قال أحمد وهو غضبه باين في صوته:
“معروف عنهم إيه؟ عندك دليل واحد على الكلام اللي قولتيه؟ ولا مجرد اتهامات وظلم؟”
حماتي حاولت ترد، لكنه مكملش ليها فرصة.
“الست دي داخلة بيتنا شايلة خير لبنتها، وإنتِ استقبلتيها بالإهانة قدام الجيران. لو حد عمل كده مع أمك، كنتِ هتسميه إيه؟”
سكتت…
لأول مرة ملقتش رد.
كمل أحمد:
“أنا غلطت لما سكت. وغلطت أكتر لما دافعت عنك. لكن من النهارده، أي حد يهين مراتي أو أم مراتى، حتى لو كنتِ إنتِ… هقف قدامه.”
حماتي اتعصبت وقالت:
“يعني هتقف ضدي علشان مراتك؟”
رد أحمد من غير تردد:
“هقف مع الحق… حتى لو كان ضد أقرب الناس ليا.”
أنا كنت واقفة بسمع، ودموعي نازلة من غير ما أحس.
مكنتش دموع فرحة… كانت دموع قهر بيتغسل.
وفجأة، لقيت باب الشقة بيخبط.
فتحت…
لقيت أمي واقفة برا.
كانت جاية تديني علبة أكل كانت نسيتها عندي.
أول ما أحمد شافها، نزل بوشه في الأرض، وقرب منها وقال:
“سامحيني يا خالتي… أنا قصرت في حقك.”
أمي ابتسمت ابتسامتها الهادية وقالت:
“يا ابني… المسامح كريم.”
لكن أحمد هز راسه وقال:
“لا… الاعتذار لوحده مش كفاية.”
وبص ناحية أمه وقال:
“الحق لازم يرجع لأصحابه.”
ساعتها، حماتي فهمت إن الأيام اللي كانت بتتحكم فيها في الكل… خلاص انتهت، وإن احترام الناس مش بيتاخد بالصوت العالي، لكن بالأخلاق.
يتبع…
بقلم ندى الجمل

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *