سرقوا عمرى حكايات صافي هانى

أمي قالت بصوت بيترعش: “يعني هتونسي أهلك يا بروك؟ هتسيبنا للناس تاكل وشنا؟”
رديت عليها وأنا بعدل الخاتم في إيدي، وببص لمعالم البرج اللي ورايا: “أنا مسيبتكمش.. أنتوا اللي سبتوني زمان ورا العمود الرخام، وبعتوني عشان تشتروا قصة وهمية. أنا دلوقتي مشغولة بنجاحي وبمستقبلي.. زي ما سبتكم زمان تعيشوا اللحظة بتاعتكم.. سيبوني أنا كمان أعيش حياتي”.
ناديت على الأمن وقلت لهم باحترام: “اتفضلوا وصلوا السيدات للبوابة الخارجية.. عشان وقت الحفلة والتكريم بتاعي بدأ”.
لفيت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت كعب جزمتي بيثق في الأرض، ورايحة ناحية المنصة والميكروفون عشان أستلم جائزة أفضل مشروع هندسي للسنة. ومبصتش ورايا تاني.. لأن اللي بيبني بيوته على كدب، ملوش مكان وسط الأساسات اللي اتصبت بالصخر والعرق.
طلعت على المنصة، وصوت التسقيف كان بيهز القاعة. وأنا باستلم الجائزة من وزير الإسكان ورئيس النقابة، بصيت للدرع اللي في إيدي، وفجأة افتكرت كل ليلة سهرتها تحت ضوء لمبة مكتب صَغيرة، وكل كلمة إحباط سمعتها من عيلتي، وكل مرة حسيت فيها إني ماليش قيمة جنب “سلوان” الجميلة المدللة.
حطيت المايك قدامي، وبصيت للمعازيم كلهم وقلت بنبرة واضحة ومسموعة في كل ركن: “الجائزة دي مش مجرد تكريم لشغل هندسي.. الجائزة دي إثبات إن الحقيقة مبيتردمش عليها، وإن الأساسات الغشاشة لازم تقع، مهما كان الوش برة مدهون وجميل. شكراً لكل حد آمن بيا، وشكراً أكتر لكل حد حاول يهدني.. لأنكم خلّيتوني أبني نفسي من صخر”.
القاعة كلها صقفت، ولمحت (مارجريت ويتلوك) واقفة في الصف الأول بتسقفلي بابتسامة نصر وفخر تخوف، كأنها بتقول للعالم كله: “أنا مفيش حد بيقدر يغفلني”.
بعد الحفلة ما خلصت، رحت الأوتيل عشان أغير فستاني وأرتاح. وأنا بفتح تليفوني، لقيت رسالة مبعوتة على الواتساب من رقم غريب، فتحتها.. كانت رسالة طويلة من (سلوان).
الرسالة كانت غريبة، مفيش فيها شتايم ولا غرور لأول مرة، كان فيها انكسار حقيقي: “بروك.. أنا عارفة إني غلطت في حقك، وعارفة إن أمي ظلمتك معايا. بس أنا خسرت كل حاجة.. خطيبي، وسمعتي، وصحابي، وحلم حياتي إني أكون فوق. أنا دلوقتي قاعدة في أوضتي مش قادرة أخرج الشارع من نظرات الناس. أنتي أخدتي حقك وتالت ومتلت، بس أرجوكي.. بلاش تخلي مدام مارجريت تقطع عيشنا في السوق.. بابا مش هيستحمل يبيع البيت اللي عايشين فيه عشان يسدد التعويضات. ارحمينا”


