يوم الولاده ٣

يحدق في الفراغ بعينين تشبهان عيني ولاء كثيراً، وقف ماجد خلفها يراقب تفاعلها مع طفلها، كانت تمسح على زجاج الحضانة بأطراف أصابعها المرتجفة وتهمس بكلمات لا يسمعها غيرها، وفي تلك اللحظة التي تلاقت فيها نظراتهما عبر زجاج الحضانة، أحس ماجد بأن الحواجز التي بناها بغروره بدأت تتصدع، كان يرى في ابنه الذي كاد يفقده دليلاً على وجود فرصة أخيرة للبقاء، لكن فجأة تعالت أصوات الأجهزة مرة أخرى بشكل غير متوقع، تشنج الطفل وأخذ يتقلب في فراشه الصغير مما جعل ولاء تصرخ بذعر وتضرب الزجاج بيديها المنهكتين، لم يتردد ماجد لحظة واحدة، اقتحم الحضانة مرة أخرى واندفع نحو الصغير بكل ما أوتي من مهارة وخبرة، كان يشعر أن هذه هي اللحظة الفاصلة التي ستحدد مصيرهما جميعاً، صرخ في الممرضات لإحضار الأدوات الطبية الضرورية، كان يدلك صدر
الصغير ويناجيه بصوت متهدج أن يظل معه، كانت ولاء تقف في الخارج تراقب المشهد بقلب يتقطع، صلت وتضرعت لله بكل جوارحها ألا يحرمها من هذا الروح الذي جاءت به للدنيا وسط كل هذا الخراب، استمر الصراع لعدة دقائق كانت أطول من عمرهما معاً، حتى ساد صمت مطبق في الغرفة، نظر ماجد إلى الجهاز ووجد أن نبضات الطفل بدأت تنتظم من جديد بشكل مذهل، زفر ماجد بقوة وخرج من الغرفة وقد غطى وجهه بيديه من شدة التأثر، وجد ولاء واقفة في مكانها، لم تعد تبكي، بل كانت تنظر إليه بنظرة غامضة لا يستطيع تفسيرها، اقترب منها ووقف أمامها مباشرة، لم يعد هناك مكان للهرب أو للكذب، أخبرها بصدق أنه مستعد للتخلي عن كل شيء، عن مهنته ومكانته، فقط ليكون بجانبهما ويحاول أن يغسل بدموع ندمه ذنوب الأمس، ولاء هزت رأسها ببطء شديد، نظرت إلى صغيرهما ثم عادت لتنظر إلى ماجد وقالت بصوت بالكاد يخرج من بين شفتيها إن الوقت وحده هو الذي سيقرر ما إذا كان قلبه قد تغير فعلاً، لكنها في تلك اللحظة لم تبعد يدها عندما وضعها ماجد برفق على كتفها المرتجف، كان هذا هو الضوء الأخضر الذي انتظرته روحه المعذبة لتبدأ في مواجهة الغد المجهول.
مرت الأيام داخل جدران المستشفى الباردة كأنها رحلة في عالم آخر لا يعرف غير رائحة المعقمات وأنين الذكريات، كان ماجد يرى في ملامح ولاء الشاحبة انعكاساً لسنوات عمرهما التي ضاعت بين جدران الخصام، ظل ملازماً لها ولطفلهما الذي بدأت صحته تستقر تدريجياً وكأن روحاً جديدة دبت في جسده الهزيل، في تلك الليلة التي كان فيها القمر يرسل ضوءه الخافت عبر نافذة الغرفة، جلس ماجد عند قدميها يطلب منها السماح ليس كطبيب بل كرجل يدرك الآن فقط قيمة ما فقده في لحظة طيش، أخبرها عن الندم الذي ينهش في أعماقه كلما رأى طفلها يحمل ملامحها التي طالما غيبها عن ناظريه، كان يتحدث بكلمات تخرج من قلبه لتستقر في قلبها المثقل بالجراح، ولاء كانت تنصت إليه بصمت تام، عيناها تحكيان قصصاً من الألم والحرمان، وبدأت الستارة التي تفصل بين قلبيهما تتلاشى تدريجياً أمام اعترافاته الصادقة، فجأة اقتربت الممرضة لتخبرهما أن الفحوصات الأخيرة للطفل أظهرت تعافياً كاملاً وأن باستطاعتهما مغادرة المستشفى في غضون يومين، شعرت ولاء بقلبها ينبض بشيء لم تعرفه منذ زمن، ليس فرحاً محضاً بل شعوراً غريباً بالمسؤولية تجاه ما ينتظرهما في الخارج، نظرت إلى ماجد الذي كان يراقبها بلهفة وترقب، وبصوت متهدج قالت له إن العودة للحياة التي كانت قبل سبعة أشهر ليست خياراً متاحاً، لأن تلك الحياة قد ماتت مع آخر كلمة قاسية قالها لها في ذلك اليوم المشؤوم، ماجد لم يغضب، بل انحنى برأسه مقراً بصواب حديثها، ووعدها بأنه لا يطلب العودة للماضي بل يطلب فرصة لبناء حياة جديدة تماماً، حياة تقوم على الصدق والاحترام المتبادل، في تلك اللحظة رن هاتف ماجد وكان عمه الذي سأله عن حالتهما بصوت يملؤه التوجس، لم يتردد ماجد في إخباره بكل شيء، وبأن ولاء وابنهما أصبحا بخير وبأنه سيظل بجانبهما مهما كلفه الأمر، أدرك ماجد حين أغلق الهاتف أن العالم الخارجي بانتظارهما بتحدياته الكبرى، وأن خروجهما من هذا المستشفى سيكون بداية لاختبار حقيقي لن يرحم فيه الناس بذاكرتهم، لكنه شعر بنوع من الطمأنينة التي لم يعرفها من قبل، طمأنينة الشخص الذي ألقى بحمولته الثقيلة من الكبرياء وبدأ يرى الطريق بوضوح، بينما كانت ولاء تغمض عينيها وهي تمسك بيد طفلها، كانت تشعر بأن القادم يحمل الكثير من التغييرات، وأن القدر الذي جمعهما في غرفة العمليات تلك لم يكن مجرد صدفة بل كان بداية لنهاية ألم طويل قد يفتح الباب لشيء أعمق مما كانا يظنان، وبينما كان الفجر يبزغ بخيوطه الذهبية، وقف ماجد ينظر إلى الأفق، مدركاً أن التحدي الحقيقي ليس في ولادة الطفل، بل في ولادة العائلة من جديد من رحم المعاناة.
جاء يوم الخروج من المستشفى محملاً بمشاعر متناقضة تتأرجح بين الأمل والرهبة، وقف ماجد أمام البوابة الكبيرة يحمل طفله الصغير بين يديه بحذر شديد كأنه يحمل أثمن ما في الوجود، كانت ولاء تسير بجانبه بخطوات واهنة لكنها كانت شامخة في نظراتها التي لم تعد تنكسر أمام عاصفة ذكرياتهما، استقلا السيارة وانطلقا في طريق طويل كانا قد سلكاه قبل سبعة أشهر في لحظة فراق مأساوية، لكن هذه المرة كان الهواء يغلفهما بصمت مشوب بالترقب، ماجد كان يختلس النظر إليها بين الفينة والأخرى، يرى في ملامحها وجهاً مألوفاً وغريباً في آن واحد، كان يحاول أن يجد مداخل للحديث دون أن يثير جراحها، لكن الصمت كان أبلغ وأقسى في نفس الوقت، وصلا إلى المنزل القديم الذي كان شاهداً على قصة حبهما التي تحطمت على صخرة سوء التفاهم، وعندما فُتح الباب، اندفعت ذكريات الماضي لتغمر المكان؛ كل زاوية فيه كانت تروي حكاية من العتاب أو العشق الضائع، دخلت ولاء البيت ببطء، كانت تشعر بأنها غريبة في مملكتها التي أُخرجت منها قسراً، بينما كان ماجد يتبعها بخطوات خجولة، لم يترك يدها ولا طفلهما، كان يحاول أن يملأ الفراغ الذي خلفته سنوات الغياب، لكنه كان يعلم أن كل شيء قد تغير للأبد، وبينما كانت ولاء تتفقد المكان، توقفت عند باب الغرفة التي شهدت صراعهما الأخير، نظرت إلى ماجد الذي كان يقف خلفها



