يوم الولاده ٣

يراقبها بلهفة، همست بصوت يحمل شجن السنين بأنها لا تطلب منه أن يعود الرجل الذي كان، بل تطلب منه أن يكون الإنسان الذي اكتشف الحقيقة عندما كان الموت يحدق بهما، ماجد اقترب منها ببطء، لم يلمسها، لكنه وضع يده على الحائط بجانبها وكأنه يحميها من أشباح الماضي، أكد لها أن كل ذرة في كيانه قد تغيرت، وأنه سيكرس حياته ليثبت لها أن الندم ليس مجرد كلمة، بل هو رحلة طويلة من الأفعال التي ستمحو ظلام الماضي، في تلك اللحظة دخل عمهما إلى الغرفة ومعه بعض المستلزمات للطفل، كانت نظراته مليئة بالتقييم لما يحدث، لم يتكلم ولكنه ترك لهما المساحة ليواجها الحقيقة، ولاء أخذت طفلها وجلست على الأريكة القديمة التي كانت تقضي عليها لياليها وحيدة، ونظرت إلى ماجد الذي وقف أمامها يتأمل ملامحهما، كان يشعر بأن القادم من حياتهما سيكون أصعب مما مضى، لأن عليهما ليس فقط التغلب على الماضي، بل بناء ثقة مهشمة من جديد، ومع اقتراب الليل، خيم الهدوء على المنزل، وكان ماجد يجلس في الشرفة يراقب النجوم، يتساءل كيف ستبدأ حياتهما في ظل هذه التركة الثقيلة، كان يعلم أن الطريق طويل، لكن وجود الطفل الصغير في الغرفة المجاورة كان هو البوصلة التي توجهه نحو البقاء والاستمرار رغم كل العواصف التي لا تزال تلوح في أفق مستقبلهما المجهول.
مرت الأسابيع الأولى بعد العودة إلى البيت كأنها تدريب يومي على الصبر والحذر، كان ماجد يمارس أدواراً لم يعتد عليها، يتنقل بين مهام الأبوة ومتطلبات زوجته التي بدأت تستعيد عافيتها النفسية ببطء، كانت الأيام تمر وسط صمتٍ يذوب شيئاً فشيئاً بفعل الأفعال لا الأقوال، وفي صباح يوم ربيعي مشمس، وبينما كان ماجد يراقب ولاء وهي تلاعب طفلهما الذي بدأ يطلق أولى ضحكاته البريئة، شعر بأن قلبه الذي قسى لسنوات قد انصهر أخيراً، اقترب منهما وجلس على الأرض بجانبهما، نظر إلى ولاء التي لم تعد تتهرب من نظراته، بل قابلت نظراته بابتسامة خافتة تحمل في طياتها بقايا وجع لكنها تنبئ عن بدايات جديدة، أخبرها ماجد بصوت يملؤه اليقين بأنه قرر بيع العيادة القديمة والبدء في مشروع طبي يخدم المنطقة التي يسكنان فيها، ليكون قريباً منهما ولا يغيب لحظة واحدة عن تفاصيل نمو ابنه، ولاء نظرت إليه بعمق وقالت إن كل ما تريده هو أن يظل هذا الصدق الذي وجدته في عينيه حين كاد يرحل طفلهما هو الأساس الذي تبنى عليه حياتهما، لم تكن هناك وعود براقة، بل كان هناك عهد ضمني بأن الماضي بكل مآسيه قد دُفن في تلك الغرفة التي شهدت آلام الولادة والمواجهة، نهض ماجد، أمسك بيد زوجته ورفعها وقبلها برقة أمام ابنهما، وكأنه يختم عقداً جديداً من المودة والرحمة، وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها كل غيوم الشك والندم، أدركا أن الحياة لم تمنحهما فرصة ثانية بالصدفة، بل كافأتهما على صمودهما في وجه العاصفة، فتح ماجد نافذة البيت المطلة على الحديقة، ودخل النسيم العليل ليمسح غبار الماضي عن أرجاء المكان، كانت ولاء تقف بجانبه، ممسكة بيده بقوة، بينما كان الصغير يهمس بكلماته الأولى وسط جو من السكي..نة التي افتقداها طويلاً، لم يعد ماجد ذلك الطبيب المغرور، ولا ولاء تلك الزوجة المكسورة، لقد أصبحا كياناً واحداً ولد من رحم المعاناة، كيانٌ يعرف الآن أن الحب ليس مجرد كلمات، بل هو استعداد دائم للمغفرة والتضحية من أجل من نحب، وبينما كان الغروب يلون السماء بألوان الأمل، أغلق ماجد باب الغرفة على كل ذكريات الحزن، ونظر إلى مستقبلهما الذي يمتد أمامهما كطريق مفتوح، مدركاً أن رحلتهما لم تنتهِ، بل هي الآن فقط تبدأ بقلوب أنقى وأرواح أكثر تماسكاً أمام قسوة الأيام، وكأن كل ما مروا به لم يكن سوى اختبارٍ لمدى قدرتهم على التمسك ببعضهم في أصعب الظروف، وهكذا طويت الصفحة الأخيرة من كتاب ألمهما لتبدأ فصول جديدة عنوانها المحبة والوفاء والبدايات التي لا تعرف المستحيل، وسط ضحكات الطفل الذي كان الرابط الأبدي بينهما، أدركا أن كل دمعة ذُرفت كانت ثمناً لهذا الاستقرار الذي ينعمان به الآن، وأنه لا شيء أغلى من العائلة التي تستحق كل قطرة عرق وكل تضحية لتبقى متماسكة مهما اشتدت عواصف الزمن. تمت
روايات منال عباس




