جنه الادهم ل زهره الثالوث

​دخلت نهال لغرفة واسعة مظلمة، وهناك لاقت كوافير وستات البلد ملامحهم ناشفة، لبسوها فستان فرح أبيض وواسع كأنه كفن، من غير أي مظاهر زينة حقيقية أو ضحكة من قلب صافي. كانت حاسة إنها أسيرة حرب متبلورة في قماش أبيض.

​في الناحية التانية، كان أدهم واقف في ديوان المضيفة، لابس البشت الصعيدي فوق جلابيته، وعمامته مظبوطة، بس وشه زي الشبح من كتر الهم. كان قاعد جنبه أعمامه وكبار العيلة، والسلاح محزوم في خصور الكل، والتلفونات شغالين تنسيق لتأمين مداخل البلد وخروجها خوفاً من غدر لحظي أو طيش شباب يفجر الدم من تاني.

​دخل واحد من الخفر وقال بصوت مدمدم:

— “العروسة جاهزة يا أدهم بيه.. والناس استجمعت برة في الساحة.”

​وقف أدهم بطوله وهيبته، مسك عصايته بيمناه، وطلع على الساحة وسط طلقات رصاص في الهواء كانت بتنطلق كإنها مدافع حرب مش احتفال. الناس كانت بتبص له ولبعضها بنظرات حذرة، وكل واحد حاطط إيده على زناد سلاحه، مفيش زغاريط طبيعية، مفيش ضحك، الصوت الوحيد اللي كان مسيطر هو صوت الطلقات المرعبة وحوافر الخيل.

​اتجمع الكل، ووقف أدهم جنب نهال اللي كانت بتترعش من كتر القهر والخوف. لمس عينيها المدمعتين بنظرة سريعة، حس إنها مكسورة، بس مكنش عنده الوقت يطمنها؛ فالجو كان محتقن لدرجة أن كلمة غلط ممكن تولع البلد تاني في ثواني.

​عقد المأذون الجلسة بصوت سريع ومرتبك، وكتب الكتاب وسط أجواء مشحونة بالبارود، لحد ما قال الكلمة اللي ختمت الموقف: “بارك الله لهما وبارك عليهما…”

​أدهم بص لنهال وقال بصوت حاد مسموع للي حواليه بس يمليه الحذر:

— “انهي الليلة دي.. وادخلي أوضتك، الفرح خلص وبدأت الحقيقة.”

 

الساعات عدت على نهال زي السنين وهي قاعدة على السرير في الأوضة الواسعة، لابسة فستانها الأبيض الثقيل كأنه حبل غليظ حوالين رقبتها. عيونها مثبتة على الباب الخشبي المقفول، وكل صوت حركة برة كان بيخلي قلبها يدق بعنف وكأنه هيطلع من ضلوعها. ريحة البارود والطلقات اللي كانت مترددة برة لسه رنانة في ودنها، والتربص اللي في الجو مخليها حاسة إنها جوه ساحة معركة مش أوضة ليلة دخلتها.

​أخيراً، سمعت صوت خطوات بطيئة وثقيلة بتقرب من الباب.. خطوات مألوفة، بتدب في الأرض بهيبة وثبات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *