جنه الادهم ل زهره الثالوث

— “افهمي يا نهال.. من اللحظة اللي دخلتي فيها الدار دي، بقيتي مرتي وصاحبة بيتي. لبسي، وأكلي، وشربي، وكل تفاصيل يومي بقت اختصاصك ومن مسؤوليتك.. وواجبك تهتمي بي زي ما أنا واجب يحميكي.”
نهال ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت متمرد شوية رغم دقات قلبها السريعة:
— “بس أنا دكتورة.. ومش متعودة أكون خدامة لحد، ولا دخلت بيت صعيدي عشان أبقى…”
قبل ما تكمل كلمتها، سمعوا صوت فاطمة وهي بتجري برة في الصالة وبتنادي على أبوها، وفجأة اتفتح باب الأوضة على الآخر، وفاطمة خرجت وقفلت الباب وراها بالقفل من برة بسرعة وهي بتضحك بصوت طفولي:
— “خليكم جوه بقى شوية عشان متتخانقوش!”
أدهم اتفاجأ بالبحر اللي اتدبس فيه، وقبل ما يتحرك يفتح الباب، لقى نفسه واقف قدام نهال مباشرة. في لحظة واحدة، فاطمة قفلت الباب، وبقى أدهم محاصر نهال بين إيديه والباب وراه، كأنه جدار صلب لا مفر منه.
انحبس أنفاس نهال، ولزقت في الباب من كتر الخوف والارتباك، ورفعت عيونها الواسعة تبص له، لقت نفسها قريبة منه لدرجة إنها سامعة أنفاسه بوضوح. أدهم نزل بعينه عليها، وملامحه الشديدة ظهرت فيها ابتسامة خفيفة وخبث هادئ، وهو بيقرب أكتر وبيحاصرها بإيديه الاتنين على الباب، وقال بصوت واطي وقريب جداً:
— “شكل بنتي صممت توفي بالوعد.. وقاعدتنا هنا ملهاش آخر غير إنك تسمعي كلامي وتتعلمي قواعد الدار دي واحدة بواحدة.. صح ولا إيه يا دكتورة؟”
دقات قلب نهال كانت بتخبط في صدرها كأنها طبل بلدي، والمسافة اللي بينها وبينه اختفت تماماً لحد ما بقت سامعة صوت أنفاسه الهادية. رفعت عيونها بخوف وارتباك، لقت عينيه السودا مفيهاش أي قسوة من اللي عرفتها، بالعكس.. كانت مليانة بحنكة ونظرة دافية غريبة هدت حيلها.
قرب بوشه منها ببطء شديد، ومرر صوابعه الخشنة برفق على خدها، وكأنه خايف تكسرها إيده. نزل بعينه على شفايفها المرتجفة، وبعدين بص في عيونها اللي تايهة وقال بصوت واطي ودافي يدوب بيوصل لودنها، وكلامه طالع من قلبه بصدق يزلزل الجبال:
— “ليه مكملة في الحرب دي يا نهال؟ ليه رافضة تدي لروحي فرصة ترتاح معاكِ؟.. والله العظيم لو سيبتي نفسك، ورميتي الخوف ده ورا ضهرك، لأرمي تقاليد الدنيا دي كلها ورا ضهري، وأعيش أسير لضحكتك وراحتك.. مش عاوز منك غير أمان يملى عليا الدار دي كلها.”



