٢١-" كذبة ساحرة" تعالت وتيرة أنفاسه ، وراح صدره يعلو ويهبط لا يصدق أنه سمع منها كلمة كتلك ، فهى تستجديه بالبقاء بل لا تريده أن يبتعد ،تتخذ منه حصناً آمناً فهذا ما كان يريد سماعه منها ، إلتفت برأسه لها ونظر إليها ، وجدها تطالعه بخضراوتيها بشئ من الخوف ، كطفلة تائهة لا تعرف السبيل إلى النجاة فما كان منه سوى أن حاول يبث بنفسها الأمان وهو يقول : – متخافيش يا حبيبتى أنا معاكى لم تبدى إعتراضاً على قوله تلك الكلمة ، بل ضمنها مزيداً من الأمان ، الذى يريدها أن تشعر به ، فأماءت برأسها مراراً وهى تقول: – ماشى يا رفيق بدأ الخجل يزحف لوجنتيها ، فتركت قميصه ببطئ ، وأشار لها بالجلوس ، فأمتنت لعرضه فهى تشعر بأن قدميها غير قادرتان على حملها ، جلست وجلس هو بجانبها بل أنه أسر يدها بين كفه وتشابكت أصابعهما سوياً ورفع رأسه يشير لفاروق وإلهام قائلاً: – أتفضلوا أقعدوا أنتوا واقفين ليه على مضض جلس فاروق على أحد المقاعد وجلست إلهام بالمقعد المجاور له ، فصمتا ولم يبدو أن أحداً منهما سينوى الحديث فزفر رفيق قائلاً بهدوء : – خير أنتوا كنتوا عايزين تطمنوا على ليان وباسم مش كده أظن كده أنتوا أطمنتوا وعرفتوا أنهم هنا فى أمان وكويسين شبك فاروق يديه ببعضهما البعض قائلاً: – واضح أوى أنهم كويسين وأنك عملتلهم غسيل مخ بسرعة أوى خرجت ليان عن صمتها وهى تقول بصياح : – يعنى ايه عملنا غسيل مخ إحنا هنا عايشين كويس وأنا مبسوطة مع جوزى وبحبه كمان أثلجت صدره بقولها ، حتى و إن كان يعلم أنها لم تقول ذلك ، إلا حفاظاً على صورتها أمامهما ، ولكن لايهم يكفى أنه سمع منها كلمة الحب حتى وإن كانت لا تقصدها نهضت إلهام وهى تقول : – يلا بينا يا فاروق أدينا أطمنا عليهم ربنا يسعدك يا حبيبتى بدون أن تحاول توديع إبنتها مثلما فعلت عند مجيئها ، كانت تسرع الخطى نحو باب المنزل ، فنهض فاروق هو الاخر ولكنه لم ينسى أن يلقى نظرة كارهة لرفيق ، ويتوعد له بداخله من أنه لن يتركه يهنأ بالحصول عليها بعد رحيلهما ، صعد رفيق لغرفته وكفه قابضاً على يد ليان ، فهو أصدر قراره من قبل أنها ستمكث معه بالغرفة الخاصة به ، ولكن بمجئ والدتها وزوجها نسيت أن تناقشه بقراره هذا فهى غير مستعدة للإقامة معه بمكان خاص بهما ، على الأقل ليس الآن ، ولكن يبدو عليه أن لديه التصميم الكامل لتنفيذ ما قاله أو بالأصح ما آمر به فوقفت بوسط الغرفة تضم ذراعيها أمام صدرها ، محاولة منها أن توقف إرتجاف جسدها ، خاصة بعد رؤيتها لذلك الفراش الواسع والوثير الخاص به ، فهى لم تنسى نظرته عندما طلب من والدته أن تجعل الخادمة تقوم بنقل أغراضها إلى غرفته ، فنظرته كانت نظرة تهديد فهى اذا عارضت كلامه ستنال منه عقابا شديداً فاضطرت أن ترضخ لحديثه وان تذهب معه يعلم ما تشعر به الآن ، ولكنه لم يلق بالا لما تفعله ، فهو فى غرفة الثياب يقوم بتبديل ثيابه ليأدى صلاته ويذهب للنوم فغدا لديه مهام كثيرة بالشركة انتظرته حتى انتهى من صلاته ولكن قبل ذهابه الى فراشه استوقفته قائلة بصوت مرتجف : –:" ممكن اعرف ليه انت عايز تخلينى اقعد معاك فى اوضة واحدة انت عارف أن جوازنا جواز على الورق علشان تبقى واصى عليا وده الكلام اللى تيتة الله يرحمها قالتهولى" رد رفيق قائلاً بهدوء: –:" عارف كل الكلام ده" خفضت وجهها أرضاً وقالت: –:" طالما الموضوع كده ليه بقى اقعد معاك فى اوضة واحدة أنا كان ممكن اقعد مع رهف فى اوضتها" جلس رفيق على حافة الفراش وهو يقول: –" رهف للاسف سريرها مش كبير مش هتعرفى تنامى جمبها كويس وأكيد أنتى تعبتى من النومة الغير مريحة دى" أزدردت لعابها قائلة بخجل: –:" هاتلى سرير وحطهولى فى أوضة رهف وكده تتحل المشكلة" رد رفيق قائلاً بنفاذ صبر: –:" مش هجيبلك حاجة ، ولو مش عايزة تنامى هنا روحى نامى فى الجنينة يا ليان ومتوجعيش دماغى بقى عايز أنام ورايا شغل الصبح" –:" انت بارد اوى يا دكتور رفيق" قالتها ليان فجأة ، فوضعت يدها على فمها ، فما تلك الرعونة التى تحدثت بها ، ولكن لسانها لم يعتاد بعد على أن يقول أكثر الكلمات لطفاً له ، بل مازال معتاداً على الهجوم ، ولكنها حقاً لا تريد أن تتشاجر معه خاصة الآن إلتوى ثغره بإبتسامة ساخرة وهو يقول: –:" مقولتيش حاجة جديدة تصبحى على خير بقى وبطلى دوشة" كزت ليان على أسنانها وقالت: – :" طب انام انا فين دلوقتى ها" رد رفيق قائلاً ببرود : –:" فى المكان اللى يريحك تصبحى على خير" تمدد على فراشه منهياً حديثه معها ، فهو يعلم انها لن تكون مهمة سهلة ، أن يراها أمامه وأن تشاركه غرفته او ربما تشاركه الفراش أيضاً ، ولكن منذ أن علم أنها كانت تحب ذلك الشاب المدعو ماجد ، وكأن قلبه انطفأت به تلك الجذوة ، التى اشتعلت مؤخراً ، فحتى لو كان قلبه مازال يخفق ، لابد من ان يميته ، مثلما أماته سابقًا ، فربما هذا قدره وهذه ستكون حياته ، حتى تنتهى أيامه بتلك الدنيا ، التى لازمه بها قلة الحظ من الحب والعشق فمسكين هذا القلب ، الذى كلما نبض من أجل انثى ، تكون هى الأنثى الخاطئة ، فيكفينى جراحاً أيها القلب ، فلترحمنى ولتعد لسباتك الثلجى مرة أخرى ، فأنت ستخفق فقط من أجل أن تجعلنى على قيد الحياة ، كأنه يصدر أوامره التى يريد ان ينصاع لها هذا القلب ، الذى بدأ يعلن تمرده عليه منذ أن رأى تلك الفتاة التى أصبحت تسمى...زوجته ظلت تدور حول نفسها ، تحاول ايجاد اى مكان لتنام به وجدت أريكة بالغرفة ، ولكنها لن تكون مريحة ، فماذا تفعل هى الآن ؟ فهى تشعر بارهاق شديد ، وتريد ان تنام ، وجدت غطاء خفيف ، سحبته تدثر نفسها به ، فى هذا الليل البارد ، ظلت تنظر اليه وهى تراه يتقلب بفراشه ، بينما هى تنام على تلك الأريكة ، التى اذا حاولت ان تغير من وضع نومها ستسقط ارضاً ، شعرت بثقل أجفانها ، فأغمضت عينيها وذهبت بسبات عميق ظل رفيق ينظر اليها بعد أن غفت ، وكأنه يزيد من احساسه بخيبة أمله في حبه ، فرأها على وشك السقوط ، هب سريعاً من مكانه ، ووصل اليها قبل أن تقع على الأرض ، فتلقاها بين ذراعيه ، وبالرغم من ذلك لم تفيق من نومها وجودها بين يديه اشعل لهيباً فى قلبه ، فوجد نفسه يبتعد سريعاً ، بعد أن وضعها على الأريكة مرة اخرى ، وكأن شئ خفى قد لدغه ، جعله يبتعد عنها ، فربما أيامه القادمة ، ستشهد جحيماً لم يمر به فى حياته ، التى قضاها فى شقاء سواء بدنى او نفسى ______________ جاءت سارة للشركة مبكراً اليوم ، فهى أرادت إنهاء كتابة إستقالتها قبل مجيئه ، فهى ستقدمها لرفيق وستغادر الشركة قبل أن يأتى ، فهى لا تريد أن تزيد من شعورها بأنها فعلت شئ خاطئ وأنها تركت قلبها يميل لرجل ليس حراً ، فجلست على المقعد خلف مكتبها وسحبت ورقة بيضاء ، خطت عليها كلمات الإستقالة ، وبعد إنتهاءها خرجت من غرفة مكتبها وأتجهت صوب غرفة مكتب رفيق طرق الباب عدة طرقات وأذن رفيق للطارق بالدخول ، فولجت الغرفة بإستحياء ، وتقدمت من مكتبه قائلة : – صباح الخير يا مستر رفيق كنت عايزة حضرتك توافقلى على طلب الإستقالة ده مدت يدها بالورقة ، فأخذها رفيق وهو مقطب الجبين من قرارها المفاجئ ، فتطلع إليها بحيرة: – وليه عايزة تقدمى إستقالتك يا باشمهندسة سارة هو الشغل هنا فى مشكلة أسرعت سارة بتحريك رأسها سلبها وهى تقول : – لا والله ابدا بس علشان المسافة من بيتى لهنا بعيدة جدا وكمان والدتى محتاجة أن أكون جمبها علشان تعبانة فأنا قررت أن اشوف شركة تكون قريبة من البيت علشان هى مالهاش غيرى ياخد باله منها يعلم أنها تكذب بشأن تلك الأسباب ، التى تريد من أجلها ترك العمل هنا ، فهو علم من أكمل بشأن إنجاذبه لها ، وربما هى الأخرى حالها لا يفرق عنه ، لذلك قررت الابتعاد زفر رفيق بتيه من أن الأمر صعب إصدار حكم به يرضى جميع الأطراف ، ولكن ربما هذا أفضل ، فأخذ الورقة وخط إسمه بطرفها فرفع رأسه لها وتبسم بدون مرح : – تمام يا أنسة سارة ربنا يوفقك بادلته سارة الابتسام ، بإبتسامة تحمل بين طياتها الألم ، فخرجت بعد ذلك من غرفة مكتبه ، بل من الشركة بأكملها ، فقبل الإبتعاد إلتفتت تنظر للمبنى نظرة أخيرة ، قبل أن تشير لعربة أجرة لتعيدها للمنزل ، فهذا هو القرار الصائب بالوقت الحالى وصلت سيارة الأجرة أمام البناية السكنية ، التى تقطن بها ، دفعت ما عليها من أجرة ، وترجلت من السيارة ، صعدت الدرج تشعر بأن المسافة من الدور الأول للسطح طويلة جداً ، ففكرت بشأن أن يتركا تلك البناية ، وتبحث عن مكان اخر لتعيش به هى ووالدتها وصلت للغرفة وهى تلتقط أنفاسها ، كمن كانت تركض بسباق ، وجدت والدتها تجلس أمام الغرفة ، فتركت مكانها وأقتربت منها وهى تقول : – سارة إيه اللى رجعك كده من الشغل بدرى ردت سارة قائلة: – أصل قدمت إستقالتى يا ماما من الشركة وهشوف مكان تانى أشتغل فيه دبت والدتها صدرها وهى تقول: – يالهوى ليه يا بنتى كده دا انتى كنتى بتقولى أنها شركة كويسة وكان مرتبك كويس حاولت سارة الابتسام وهى تمسد على ذراعيها لتطمأنها : – هو نصيبى فى الشغل أنتهى لحد كده يا ماما ومتقلقيش إن شاء الله هلاقى شغل تانى وقريب منك علشان أعرف أراعيكى أنتى مريضة ومحتاجة حد ياخد باله منك أنا هدخل أرتاح شوية علشان أبقى انزل أدور على شغل تانى أنهت سارة حديثها مع والدتها وولجت للداخل ، ومازالت والدتها تفكر فيما قالته من أسباب رآت أنها غير مقنعة ، فربما إبنتها تواجه مشكلة وهى لا تعلم ، فلتتركها الآن على أن تتحدث معها لاحقاً أرتمت سارة على الفراش وهى تفكر فى صحة قرارها ، الذى أخذته اليوم ، فهذا أفضل للجميع ، عوضاً عن تصبح الأمور أكثر تأزماً ، فهى ستحاول أن تنسى تلك المشاعر ، التى شعرت بها بغير محلها ، فهو ليس حراً ولن يكون ، فهى لم تفكر مطلقاً بتخريب حياته ، فهى عندما بدأت تشعر نحوه بإنجذاب ، لم تكن تعلم أنه زوج وأب أيضاً ________________ ذلك الشعور الناجم عن غيرتها منذ علمها بأن ربما هناك شئ خفى بين رفيق وليلى ، جعلها لا تحسن التفكير أو أن تعى على ما يحدث ، فهى تقضى أوقاتها بتحليل تلك العواطف الجديدة التى بدأت تطرأ عليها ولا تخلو من الخطورة ، فأن يجعلها رفيق تشعر بأن ما كانت تكنه لماجد لم يخرج من نطاق حب طفولة ساذج وبرئ وأن أحلامها الوردية البريئة باتت الآن تحمل طابع الجرأة والطمع بحبه ، لهو بالأمر الذى يستحق التفكير ، حتى أنها باتت لو أن يتخلى رفيق عن بروده ولا يضع إعتباراً لأى شئ أخر سوى أن يجعلها تشعر به وبحبه لها ، فما زال تصريحه لها بالحب ، يجلدها بسياط الندم والغباء ، على أنها أنهت الأمر بإتهام سخيف من كونه يفتعل ذلك الحب فتحت رهف عين وأغلقت الاخرى ، تنظر إليها كأنها لا تصدق مايحدث بالأونة الأخيرة ، وأن ليان أصبحت حقاً زوجة أخيها ، فهى كانت تعلم بشأن أنها تحب شخص اخر فرفعت ليان شفتها العليا وهى تقول: –:" مالك يا أختى بتبصيلى بعين ونص ليه كده" ضحكت رهف وقالت : –:" مزبهلة من اللى بيحصل انا فى قمة الازبهلال" قطبت ليان حاجبيها وهى تقول: –:" لاء متزبهليش أنتى أساساً كنتى كل الوقت ده بتخمينى وبتضحكى عليا وهو اخوكى وأنا مغفلة ومااخدتش بالى من إسمك وإسمه" قبلتها رهف على وجنتها وهى تقول: –:" اصل حبيتك جدا والله وخفت اقولك تاخدى منى موقف وترفضى تصاحبينى بس الصراحة دى اجمد مفاجأة حصلت اجمد من الجمودية نفسها " وكزتها ليان بكتفها قائلة بتفكه : –:" تعرفى تسكتى يارهف بكلامك ده اللى بيودينى فى داهية وبيضحكنى" تبسمت رهف قائلة : –:" المهم نورتى البيت أنتى وباسم هو فين صحيح وأنتى سبتينى أنام لوحدى ليه " إصطبغ وجه ليان بلون قانى وهى ترد قائلة: –:" باين عليه قاعد مع مامتك تحت ثم أخوكى هو اللى أصر أروح أقعد معاه فى أوضته" حاولت رهف تغيير دفة الحديث حتى لا تزيد من شعورها بالخجل ، فقالت متفكهة كعادتها : –" تعالى ننزل لهم تحت زمان ابيه رفيق ومالك راجعين من الشغل يلا بينا بقى انزل اعمل هجوم وسطو مثلث على التلاجة'' نظرت لها ليان وتساءلت : –:" هم اخواتك بيشتغلوا فين مش رفيق بيشتغل دكتور فى الجامعة بس" حركت رهف رأسها برفض وهى تقول: –:" لاء مبيشتغلش فى الجامعة بس ابيه رفيق هو وصاحبه فاتحين شركة والحمد لله شغالة كويس بيشتروا أراضى وبيبنوا عمارات ومالك هو المهندس المعمارى اللى بيعمل تصميمات المبانى شوفتى اخواتى عسلات إزاى يلا بينا بقى علشان جعت وشنطتى شطبت على كل اللى فيها على ما أروح أملاها من السوبر ماركت قهقهت ليان على قولها وهى تقول : –:" انتى مفجوعة كده ليه يا رهف يا ستير يارب" أغمضت رهف عيناها وقالت بهيام : –:" الاكل بالنسبة ليا اسلوب حياة فى بينى وبينه عشق لا ينتهى " ابتسمت ليان على قولها ، ولكنها تذكرت أيضاً ذلك الرجل الذى يبدو عليه كأنه خلق من فلاذ ، و لايمكن اى شئ يؤثر به ، حتى كلماتها التى تعلم هى انها كلمات واهية تتسلح بها لتدارى ضعفها كحواء تنشد الأمان من آدم أثناء مرورها من أمام تلك المنضدة ببهو المنزل ، وجدت عنوان تصدر الصفحة الأولى من الجريدة لفت إنتباهها ،فأخدت الجريدة تحدق بتلك الصورة لذلك الشاب ، والذى لم يكن سوى ذلك الشاب من بلدتها والذى يدعى " بكر" قرأت الخبر بنبرة شابها الصدمة وهى تقول : – مقتل شاب أثناء مداهمة الشرطة لوكر لبيع المخدرات وأسفرت النتائج أن الشاب يدعى بكر المرسى وهو من قرية ريفية كان يعمل بالأونة الأخيرة بتجارة المخدرات رفعت رأسها بعدما أنتهت من قراءة الخبر ، ولكنها شعرت بشعور طفيف من الحزن ، على أن مصير ذلك الشاب العابث هو الموت قتلاً قبل أن تسألها رهف عن من يكون هذا الشاب ، دلف رفيق إلى المنزل يتبعه مالك ، فألقت الجريدة من يدها ، فحاول رفيق أن لا ينظر اليها ، فقام بالقاء تحية سريعة عليهم ، ثم ذهب لتبديل ثيابه قبل تناول العشاء هبط الدرج وجلس على رأس المائدة يتابع الحوار بين أسرته ، فوالدته تشمل باسم برعايتها ، كأنه طفل صغير بحاجة للعطف والحنان فوضعت له الطعام بطبقه وهى تقول: –:" كل ياباسم انت مكسوف يا حبيبى" رد باسم قائلاً بخجل: –:" لاء حضرتك أنا باكل أهو " تبسمت له منى قائلة : –" متقوليش حضرتك قولى ماما منى يا باسم أنت وليان" أماء باسم برأسه قائلاً: –:" حاضر يا ماما منى" أراد مالك المزاح مع زوجة شقيقه ، فنظر إليها قائلاً: –:" منورة يا ليان نورك غطى على الكهربا والله " شعرت ليان بالخجل من قوله ، فردت قائلة: – :" شكراً يا باشمهندس مالك'' إبتلعت رهف الطعام العالق بجوفها ومن ثم قالت: –:" بصى يا ليان انا ومالك بنحب الهزار جدا بالمعنى الصريح كده احنا نجيب الشلل فاحسنلك تاخدى على الجو بسرعة وانت ياباسم فك كده متبقاش زى اختك نكدى" ردت ليان بسرعة قائلة : –:" لمى نفسك احسنلك يا رهف ماشى" قالت رهف بغرور مصطنع : –:" ولا تقدرى تعملى حاجة أنتى هنا على أرضى " زفر رفيق قائلاً بهدوء: –:" أظن الأكل له احترامه ياريت تاكلوا وانتوا ساكتين" ردت والدته قائلة : –:" سيبهم يا رفيق دمهم عسل الاتنين" نظرت له ليان بطرف عينيها ، وحولت بصرها لوجه والدته وهى تقول: –:" شكرا يا ماما منى أنتى احلى ماما علشان خلفتى رهف" تصنع مالك العبوس وهو يقول: –:" طب والحزين اللى زيى ملوش كلمتين حلوين" تبسمت ليان وقالت: –:" وعلشان خلفتى مالك كمان" دب مالك على صدره بهدوء وهو يقول متفكهاً : –:" الله يكرم اصلك شكراً على ثقتك الغالية دى" أفلتت منها ابتسامة عريضة ، أصابت قلبه برجفة قوية ، فأغمض عينيه بتعب ، وأطلق نهدة حارة سمعها كل الحاضرين ، فنظروا اليه وتعجب هو علام ينظرون فزوى ما بين حاجبيه قائلاً: –:" انتوا بتبصولى كده ليه يا جماعة فى حاجة ولا ايه" نظرت والدته له قائلة بإهتمام : –:" انت تعبان ولا ايه يا حبيبى ساكت ومبتتكلمش زى عوايدك وكمان اتنهدت كده جامد زى ما يكون فى حاجة تعباك" نظر رفيق لطبقه ، حتى لا يتمكن أحد من قراءة ما كتب على وجهه بوضوح ، فرد قائلاً: –:" مفيش بس كان فى شغل كتير النهاردة فأنا حاسس أن أنا مرهق شوية عن اذنكم" هب واقفا قاصداً حديقة المنزل ، فهو يريد أن يجلس بمفرده ، لعل الهدوء يريحه ولو قليلاً ، من تلك العواصف التى تعصف بقلبه ،و تقلب حياته رأساً على عقب ______________ تدور حول نفسها بغرفتها ، فهى لم تهتدى بعد لحل يمكنها من التقرب منه ، فحتى إصرارها بالتقرب من عائلته ، لم تأتى بالنتائج المرجوة ، لم تخرج من دوامة أفكارها إلا على طرق الخادمة لباب الغرفة فنظرت ليلى تجاه الباب وهى تقول: – أيوة فى إيه – حضرتك فى واحد تحت بيقول أنه جوز حضرتك قالتها الخادمة بأدب ، فى إنتظار قولها فأنتفضت ليلى من مكانها وهى تقول: – جوزى ده إيه كمان أرتجفت الخادمة من صوت صيحتها ، فوجدتها تسرع بخطواتها للدور السفلى ، هبطت ليلى الدرج والشياطين بأثرها ، فوجدت ما يدعى زوجها أو إذا صح القول طليقها فأقتربت منه بخطاها وملامحها الغاضبة فصرخت بوجهه قائلة : – أنت ايه اللى جابك هنا إحنا مش خلاص أتطلقنا وكل واحد راح لحاله تبسم ذلك الرجل ووضع يده بجيبه قائلاً بتسلية : – طلقتك وجاى علشان نرجع لبعض تانى فيها إيه يعنى يا حبيبتى أكتشفت أن مقدرش أعيش من غيرك يا ليلتى فغرت ليلى فاها بعد سماع ما قاله ، فأرتدت بخطواتها للخلف وهى تتلعثم قائلة : – نرجع لبعض تانى ! ومين قالك إن أنا عايزة أرجعلك أنا مصدقت خلصت منك بثلاث خطوات قطع المسافة بينهما ، فنأت بجسدها عنه ، قبل أن يمد يده ويقبض على ذراعها ، فإبتسم على فعلتها وقال : – ما قولتلك أنا مقدرتش أعيش من غيرك ، فإيه رأيك بقى تطلعى تجيبى شنطتك وتخلينا نروح للمأذون نتجوز تانى ونروح بيتنا – لاء مش هاجى معاك قالتها ليلى بإحتجاج صريح فما كان منه سوى أن أقترب أكثر ، حتى لم يعد لديها مهرب منه ، فهو يعلم سبب رفضها القاطع ولكن يعلم أن قلبه لايريد غيرها ، فعندما وقع الطلاق بينهما ، ظنت أنها نالت حريتها منه ، ولكنه فعل ذلك ليجعلها تكف عن المشاجرات التى كانت تفتعلها معه ، لتجعل صبره ينفذ ويمنحها الطلاق ، فهو يعلم كيف يجعلها تعود إليه منصاعة ، فبتلك السنوات التى كانت بها زوجة له ، علم طباعها جيداً ،وعلم أيضاً كيف يجعلها تتخلى عن جمودها وصلابتها فمد يده بداخل سترته وأخرج منها بعض الأوراق وهو يقول : – حتى لو قولتلك أن أنا موافق نفتح فرع لشركة الأزياء فى دبى وأنتى اللى هتبقى مشرفة عليه هناك واشتريتلك هناك البيت اللى كان نفسك فيه بدأ تاثير حديثه على وجهها ، فإبتسمت ببطئ قائلة : – وإيه اللى خلاك تغير رأيك وتعمل ده كله ما أنت كنت رافض وأتخانقنا بسبب الموضوع ده وأنت طلقتنى أقترب من وجهها هامساً : – الصراحة يا ليلى أنتى اللى زودتيها بقيتى عايشة على الخناق بينا وأى حاجة تقوليلى طلقنى وكل بنى أدم وله طاقة بس صدقينى إحنا الاتنين مننفعش إلا لبعض ونقدر نفهم بعضنا كويس فعلشان كده عايز نرجع لبعض قولتى إيه رفعت ليلى يديها ووضعت شعرها خلف أذنيها وهى تقول: – أوك موافقة بس البيت اللى هتشتريه فى دبى هيتكتب بإسمى ، بس كمان فى عرض للأتيليه بتاعى هنا على ما أخلصه تكون أنت خلصت كل حاجة فى دبى ونسافر على طول إيه رأيك أماء برأسه بهدوء ، يعلن موافقته على كل مطالبها ، فهمس بأذنها قائلاً : – طب يلا روحى هاتى شنطتك علشان نرجع بيتنا هو البيت ده كنتى شرياه ولا مأجراه ردت ليلى قائلة : – لاء كنت مأجراه وإيجاره هيخلص على أول الشهر – خلاص مش مهم ، أبقى بلغى صاحبه انك خلاص ماشية وأدى الخدامة مرتبها ويلا خلينا نمشى أنهى حديثه ، فأسرعت بتنفيذ ما قاله ، فهو سيحقق لها ما أرادت من أحلام بأن تمتلك منزلاً وعملاً بالمكان الذى رغبت به ، فهى حتى لم تفكر مطلقاً بأمر رفيق وتصريحها له بأنها كانت ماتزال تحبه ، فها هى تقوم بلملمة أغراضها لتعود لمنزل زوجها ، بعدما أعطاها وعداً بتنفيذ مطالبها ، فهى إمرأة متطلبة وتريد تنفيذ أحلامها بأى طريقة ممكنة ________________ بعد مرور بعض الوقت ،ذهب كل منهم إلى غرفته ، ولجت ليان الغرفة بتوتر ، فماذا تفعل هى الآن؟ فهى ايضا تريد النعاس، فأين ستنام فلا يوجد فى الغرفة شئ يغرى بالنوم عليه ، فنومها على الأريكة أصاب جسدها بالتيبس فى مفاصلها ، ففكرت أين ستنام الآن ، الا اذا كانت ستنام على الأرض وجدت نفسها تذهب بجوار الفراش تسحب وسادة ، وتسحب أيضاً الغطاء الذى يتدثر به ، فوجدته يهب جالساً على الفراش ينظر اليها بنظرة استياء قابلتها هى بنظرة باردة فصاح بها قائلاً : –:" ايه اللى انتى عملتيه ده بتسحبى الغطا من عليا ليه" ردت ليان قائلة ببرود: –:" ليه عايزنى أنام على الأرض من غير غطا علشان يجيلى برد" زفر رفيق من أنفه قائلاً بغضب: –:" وتنامى على الأرض ليه اصلا ما تنامى على السرير ، ايه مش عاجب سعادتك يعنى انك تنامى جمبى " إبتلعت ليان لعابها قائلة: –:" عايزنى انام جمبك ، متعودتش انام انا جمب حد غريب " رفع رفيق حاجبه الأيسر قائلاً بسخرية: –:" انا مش غريب على فكرة انا جوزك ولا أنتى حابة تعملى شغل العيال بتاعك ده يا تافهة" هل نعتها بصفة التفاهة الآن ، هل مازال لديه رصيد لا ينتهى من الاهانات ، التى تصيبها فتجعلها راغبة فى الثأر منه فرفعت يدها تشير لنفسها وهى تقول: –:" بتقولى انا يا تافهة بتقولى انا الكلام ده" –:" اوعى يكون عقلك مصورلك انك ممكن تقلى ادبك عليا واسكتلك او اسيبك تتمادى فى كلامك وتصرفاتك تؤتؤ لاء يا حلوة انتى بتحلمى انا عندى استعداد اكون كابوس من كوابيسك لو فضلتى بقلة ادبك ومحترمتيش نفسك هتبقى مؤدبة خير وبركة وربنا يعدى الايام دى بخير هتقلى ادبك يبقى متلوميش الا نفسك لأن انا بصبر وبستحمل زى الجمل كده بس اول لما بيقلب بيقلب صاحبه فهمتى يا ليان وخليكى فاكرة كلامى ده كويس وخلى مقولة اتق شر الحليم إذا غضب دى فى عقلك على طول قبل ما تتصرفى تصرف ميعجبنيش" أنهى رفيق حديثه والتقط أنفاسه ، فهو يشعر بأن أعصابه على وشك الإنفجار ، فكأن كل الاحداث التى مر بها بالأونة الاخيرة ، جعلته يفقد صوابه ، فهو يعلم انها لم تفعل شيئاً الآن يستحق اللوم منه ، ولكن يأسه من الحصول على حبها ، جعله يريد أن يساهم بفكرة رحيلها من المنزل ، فربما يهنأ عيشه بعد ذلك ردت ليان قائلة بإنفعال وعيناها على وشك البكاء : –:" تصدق انا خوفت من كلامك ، انا خوفت اهو خلاص ولا عايزنى أعمل ايه'' عناد وتمرد ، جمال يأسر الحواس ، لسان سليط وروح ثائرة ، حورية عنيدة صغيرة ، ترهق قلبه اكثر فأكثر ، حتى بات قلبه ينشد منه الرحمة ، فهو الذى كان يأمره منذ بضع لحظات أن يكف عن التأثر بها ، ليجد نفسه فى الدقيقة التالية يزيد فى خفقانه أكثر ، كأنه على وشك تحطيم تلك الضلوع ، التى بمثابة سياج تحيطه ، مانعة له ان يقفز خارج صدره من شدة دقاته وجد نفسه كأنه مسلوب الارادة ، ينهض من على فراشه يقف مواجه لها ، تتحدث هى بانفعال ترغى و تزبد من الغضب لايسمع كلمة مما تقوله ، فهو يركز بصره على حركة شفتيها ، يلاحظ انفراج شفتيها بغضب ، لتضمها بتذمر وتهمهم من خلالهما بكلمات لا يفهمها بدون أن يعى ما يفعل ، رفع يده يتحسس قسمات وجهها بأنامله ، لم يعى ما يفعل الا عندما وجدها تنفض يده عنها وهى تقول بما يشبه الخوف : –:" انت بتعمل ايه ها" كأنه أنتبه على ما قالته فرد قائلاً: –:" انا عملت ايه ياليان" أرتدت بخطواتها للخلف وهى تقول: –:" أسأل نفسك عملت إيه دلوقتى" خطا خطوة تجاهها وهو يقول : –:" حقى وانتى كلك حقى " جف حلقها من بعد قوله فأرتجف صوتها وقالت : :" يعنى إيه أنا حقك مش فاهمة تقصد إيه بكلامك ده" خطوة أخرى أمر قدميه بأن تخطيها وهو يقول: :" قصدى اللى أنتى فهمتيه يا ليان مش يمكن تعيشى سعيدة معايا أنا بحاول أقاوم مشاعرى ناحيتك بس مش قادر كل ما أقول لاء مش هفكر فيكى أرجع تانى وألاقينى مش قادر أوفى بالعهد اللى باخده على نفسى ، عينيكى عاملة زى الخمرة المحرمة اللى كل ما أقول أن هتوب عنها مبقدرش أتوب معقولة أنتى بتحبى الشاب ده أوى ومش مخليكى قادرة تشوفى حد غيره" كأنها فاتها تلميحه ، فردت قائلة بعدم فهم : – شاب مين ده اللى تقصده حدق بها رفيق بقوة وهو يقول: – ماجد ، أنا عرفت أنه هو الشاب اللى كنتى تقصديه بكلامك انك بتحبى واحد تانى فهى كأنها تعجبت من وقع إسم ماجد على أذنيها ، فهو لا يعلم أن منذ افعاله بالتقرب منها جعلها لا تتذكره ، فردت قائلة بدون وعى منها على حديثها الذى ينطلق من بين شفتيها : – ماجد ! أنت متعرفش أنك خليتنى مقدرش أفكر فيه أو فى حاجة تانية ، مبقتش عارفة أفكر فى حد غيرك أنت يا رفيق ٢٢ – " قلبى يهواك " لم يعد بإمكانها سحب كلماتها ثانية ، فهى قد زل لسانها وأنتهى الأمر ، ولعل ذلك أفضل ، فهى لن تقضى وقتها بأكمله تقاوم شعورها نحوه ، فهى قد قالتها وقضى الأمر ، انتظرت أن ترى أثر عبارتها بنفسه ، فوجدته مازال يحدق بها بما يشبه الذهول ، كأنما تجمدت ملامحه وتيبست أطرافه ، ولن يكون قادراً على التحرك ثانية أرادت لململة أذيال خيبتها ، فربما هو قد سأم من أفعالها الطفولية ، لذلك تجده لا يأتى حراكاً ،كأنها لم تصرح له بأنها لا تفكر بأحد غيره خطت بقدميها صوب باب الغرفة ، وهى تشعر بدموع المهانة ملحة على عينيها ، ولكن قبل أن تصل للباب ، كان هو قابضاً على ذراعها ، فجعلها تستدير إليه ، وحدق كل منهما بوجه الأخر بصمت ، ولكن قبل أن تتفوه بكلمة ، جاءها عناق حار منه ، كادت تشعر بأن أنفاسها ذابت تحت وطأة شعورها بالخجل ، أحست بأصابعه تطبق على ذراعها النحيل ، ولكنها لم تستطع ان تفعل شيئاً ، ولكن لمسته جعلت شعوراً جميلاً يسرى بحواسها ، ولكن كان عليها أن تضحى بمشاعرها ، وتبتعد فهى لا تريد الغرق بتلك الهاوية الآن ، فهى تريد وقت كاف للتأقلم على وضعها ، ولكنها لم تكن سريعة إلى حد كاف ، فكفيه يقبضان على ساعديها كأنهما قفل حديدى ، وبإستطاعتها أن تشعر بدقات قلبه الهادرة بداخل صدره فحاولت مرة أخرى أن تضع مسافة كافية بينهما وهى تهتف به برجاء : – رفيق أرجوك أدينى وقتى اللى أقدر أتأقلم فيه عليك وعلى وضعى الجديد أنحسرت موجه جنونه العارم ، بسماع رجاءها له ، فكيف غفل عن أنها مازالت صغيرة ، وبحاجة لمزيد من الوقت ، فأسرع فى الإبتعاد عنها وهو يقول : – أسف يا ليان أن مقدرتش أتحكم فى نفسى لم تكن تريد إعتذاره بقدر حاجتها أن يبث بقلبها الأمان ، وأن يجعلها تأمن صحبته ، فقبل أن تتهدل قسمات وجهها بشعور الإحباط ، كان يعود ويضمها إليه بحنان ، كأب يشعر بأن إبنته بحاجة إليه ولن يخيب رجاءها به فإستمعت له يكمل حديثه قائلاً: – أنا مستعد إستناكى عمرى كله يا ليان بس أكون واثق أنك فى الأخر هتكونى ليا مش عايز أتعلق بأمل والأخر ألاقى نفسى فى كابوس أخذ قلبها يدق بعنف ، وانطلقت الكلمات من بين شفتيها بهمس: – أوعدك أن مش هكون لحد غير ليك بس أن عايزة أخد وقتى بحيث أكون قادرة نبدأ حياتنا مع بعض يعنى ممكن نعتبر الفترة دى فترة خطوبة أقدر أعرفك وتعرفنى فيها كويس كلماتها التى كانت تفيض حلاوة ووعوداً ، قد بدا اثرها على وجهه فرد قائلاً: – أنا موافق يا ليان بس خليكى قدام عينى متبعديش عنى أردف بكلماته وذهب إلى فراشه ثانية وهو يسحبها من يدها بدون ان يسمع منها كلمة إعتراض ، فجعلها تستلقى على الفراش ودثرها بالغطاء جيداً ، فحاولت أن تزوغ بعينيها من عيناه المتألقتين ، فعلى الطرف الأخر من الفراش ، كان يتمدد على جانبه الأيسر واضعاً يديه أسفل رأسه ، وينظر لها لا يصدق أنها الآن قريبة منه ، فحولت بصرها عنه ، فهذا الرجل بات شعور يتسلل بداخلها ، أنه قادر على سلب قوة ارادتها وجعلها منصاعة له ، فتخشى أن يرغب بوصالها فتطيعه على الفور ، رغما عن تلك الوعود والعهود التى أخذتها عليه ________________ منذ سماعه بخبر إستقالتها من الشركة و احتمال خطبتها ، وهو يسير فى رواق المنزل ذهاباً وإياباً ، كأسد جريح لايقوى على ان يتحمل جراحه الثاخنة ، فلم الحياة تعانده فمن تكون زوجته ، غير مبالية به لا تهتم سوى بنمط حياتها الذى يثير فى نفسه الحنق والغضب ، فرآها تخرج من غرفة النوم بعد إنتهاء زينتها ، التى تبدو على أكمل وجه فأستوقفها بصوته قائلاً : – شهيرة أنتى راحة فين رفعت شهيرة يدها تزيح شعرها من على جبهتها وهى تقول: – راحة عيد ميلاد واحدة صاحبتى وإحتمال كمان أبات عندها النهاردة فغر أكمل فاه بعد قولها ، فهل وصل بها الأمر للمبيت خارج المنزل ، فهى قضت على أخر ذرة تعقل لديه ، فصرخ بوجهها قائلاً: – تباتى إيه ! أنتى عايزة توصلى بينا لفين عايز أعرف أنا خلاص زهقت وطهقت نفخت شهيرة بضيق وقلبت عيناها بملل وقالت : – بقولك أيه يا أكمل مش هنبدأ بقى الحوار ده من تانى ولا تحب أخلى بابى المرة دى ينفذ تهديده ويخرب بيتك أنت وصاحبك باى يا بيبى وخلى بالك من كنزى على ما أرجع خرجت من الباب ، وهو مازال يحدق بأثرها بشئ من الحدة ، فماذا يفعل أكثر مما يفعله معها ، فهو تخلى عن كبرياءه من أجل ضمان سلامته وسلامة صديقه من أذى عامر لهما فهو عندما ظهرت له فتاة ، شعر بالحب نحوها ، كان غير قادر على ان يخطى خطوة إيجابية ، بسبب تلك المرأة التى يشعر انها تكبل روحه بأغلال واصفاد لاسبيل له على التحرر منها لم يفيق من عواصف افكاره الا على صوت صغيرته تناديه وهى تقول بتذمر : –:" بابى بابى عايزة اخرج يا بابى انا زهقت من اللعب فى البيت " أنحنى إليها وجلس أمامها قائلاً : –:" عايزة تروحى فين يا حبيبتى" صفقت كنزى بيدها وقالت بحماس : –:" عايزة اروح عند سارة" فمالها تلك الطفلة تتحالف مع افكاره ، التى تدور بذهنه ، فلم ينتظر ان تزيد ابنته كلمة اخرى ، وجد نفسه يأخذ بيدها يتجه الى سيارته ، ليذهب الى منزلها ، فتلك النيران فى قلبه لا تهدأ فكثرة التخيلات ، ربما ستصيبه بالجنون ،وصل إلى تلك البناية التى تقطن بها ، وخرج من سيارته يصطحب طفلته وصل الى تلك الغرفة ،التى تسكنها ، فطرق الباب وفتحت سارة الباب بدهشة جلية على وجهها ، وهى تراه يقف على الباب يلتقط أنفاسه ، بسبب الدرج العالى الذى تسلقه ليصل اليها فقطبت حاجبيها وقالت: –:" أستاذ اكمل " رد أكمل وهو يحاول إلتقاط أنفاسه : –:" انا اسف ان انا جيت فى وقت زى ده بس كنزى كانت عايزة تشوفك" تبسمت سارة للصغيرة وهى تقول: –:" اهلا كنزى نورتى الدنيا كلها" فردت الصغيرة بخجل قائلة : –:" شكرا يا سارة وحشتينى" سمعت والدتها صوت احد يحدثها ، فتركت ضيوفها وخرجت لترى من القادم ، فدهشتها لم تقل عن دهشة ابنتها ، ولكنها رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها وهى ترحب بقدومهما : –:" اهلا يا استاذ اكمل اتفضل نورت" حاول أكمل أن يبدى أسفه على القدوم وهو يقول: –:" أنا بجد آسف على أن جيت فى وقت زى ده بس كنزى كانت بتعيط علشان تشوف سارة" حاولت والدتها تقبل عذره الواهى ، فهى لم تكن ساذجة ، لترى نظرات ذلك الرجل ، ولكن اذا صح ظنها فهى لن تسمح له بأن يغرر بعقل ابنتها ، فهو اولاً وأخيراً متزوجا ولديه طفلة فأشارت لهما بالدخول قائلة : –:" لا ابدا اتفضلوا دا حتى عندنا ضيوف" فهو ربما يعلم من يكون الضيوف ، فلابد انه العريس ، الذى أخبرته عنه ، فدلف أكمل إلى الغرفة ووقع بصره على ذلك الشاب ، فهو شاب حقاً وسيماً ، ويبدو عليه أنه شاب جيد وهذا مازاد فى شعوره بالغيرة ، التى تكاد ان تفتك بقلبه ، فألقى التحية عليهما فرفعت والدة سارة يدها تشير له وهى تقول: – ده الأستاذ أكمل صاحب الشركة اللى كانت سارة بتشتغل فيها ودى بنته كنزى دى ست روحية جارتنا وابنها الاستاذ طارق" مد طارق يده يصافحه وهو يقول: – :" اهلا تشرفنا يا استاذ أكمل" صافحه أكمل قائلاً: –:" الشرف ليا واسف لو كنت جيت فى وقت مش مناسب" تبسمت والدة طارق قائلة : –:" بيقولوا الخير على قدوم الواردين" تبسم أكمل بشعور خالى من السعادة وهو يقول: –:" متشكر جدا على ذوقك" جلست سارة تشعر بمشاعر صاخبة فوضوية ، فلماذا أتى هو الآن ؟ ألا يكفى انها تحاول التماسك بالكاد حتى ترى الى ماذا ستؤل أمورها ؟ ولكنه اتى فى تلك اللحظة الحاسمة ، لينثر رماد افكارها الواهية ، يجعلها تنفض عن ذهنها ماكانت تنوى فعله مرت عدة دقائق بصمت مطبق ، كأن الجالسين يخشون أن يتفوهوا بكلمة ، ولكن ابتسمت والدة طارق معتذرة لتغادر برفقة ابنها مع حصولها على وعد من والدة سارة بالرد عليها فى شأن تلك الزيجة فنهضت من مكانها قائلة بإبتسامة ودية : –:" احنا هنمشى بقى يا أم سارة وأبقى ردى عليا" أماءت والدة سارة برأسها وهى تقول: – :" ان شاء الله شرفتونا ونورتونا" تبسم طارق لسارة قائلاً: –:" السلام عليكم يا باشمهندسة سارة" أطرقت سارة برأسها وهى تقول: –:" وعليكم السلام " لما يلفظ اسمها ولما يناديها ، فأكمل الآن ليس بوعيه ، فهو كأنه يريد ان يجابه ذلك الشاب ، الذى بات عقله يوسوس له بأنه سيأخذ حق من المفترض يكون له هو ، ربما عقله اصابه الجنون فهى ليست من حقه ، ولكن قلبه قد اعلن عليه راية العصيان بعد ذهابهما كأنه وصل الى حافة تحمله ، فهو يجب أن يخرج ما بداخله ، والا ربما سيتعس قلبه ، لما تبقى من عمره وجد نفسه بعد خروج طفلته للعب خارج الغرفة ، ينظر لوالدة سارة يخاطبها كأنه يستجديها وهو يقول: –:" انا طالب ايد بنتك سارة وأرجوكى توافقى" ذهول وصدمة تملكت من حواسهما ، فماذا يقول هذا المجنون الآن ؟ ردت والدة سارة قائلة بصدمة : –:" انت بتقول ايه يا استاذ اكمل انت حضرتك واعى بتقول ايه" قال أكمل بإصرار : –:" ايوة انا فعلا عايز اتجوز سارة ارجوكى توافقى" هبت والدة سارة واقفة وهى تصيح بغضب : –:" أستاذ أكمل أنت ناسى أنك متجوز ومخلف أنت عايزنى أفرط فى بنتى لراجل متجوز وأنت إزاى تفكر أنك تتجوز على مراتك أنت كده تبقى خاين لمراتك" حاولت أكمل تبرير فعلته ، فطفق يقول : –:" أنا ومراتى مفيش بينا تفاهم وأنا بجد حبيت بنتك وعايز اتجوزها" رفعت سارة رأسها ، بعد سماعها تلك الكلمة منه ، فماذا يقول؟ هل يصرح بحبه لها الآن؟ نظرت له والدة سارة قائلة بجمود : –:" وأنا آسفة معنديش بنات للجواز واتفضل حضرتك أمشى من هنا والحمد لله أن بنتى قدمت إستقالتها من الشركة مع السلامة يا استاذ أكمل" أغمض أكمل عينيه ، يحاول التماسك من ذلك الشعور بالخذلان ، فربما هى لديها كل الحق فيما قالته ، وجد نفسه يخرج من الغرفة ويأخذ طفلته ، متجه الى منزله يكمل عمره فى حياته الزوجية البائسة لم تستطيع سارة منع دموعها وشهقاتها ، التى انطلقت مع مغادرته ، فنظرت لها والدتها بعين الغضب ، فهى علمت الآن سبب تركها للعمل بالشركة فأقتربت منها وقبضت على ذراعها بشئ من التعنيف وهى تقول: –:" بتعيطى ليه أنتى دلوقتى ها أنتى كمان حبتيه مش كده بس بقولهالك أهو يا سارة دا مش هيحصل أبداً انا مش هميل بختك يا فرحتى الوحيدة ولا عايزة حد يقول عليكى أنك خطافة رجالة وأخدى الراجل من مراته" لم تزد كلمة اخرى ، فأرتمت سارة على فراشها تكتم صوت بكاءها ، فربما سيصيب قلبها الشقاء اكثر وخاصة بعد علمها بحبه لها هو أيضاً ، ولكن تعلم أن والدتها فعلت الصواب ، فهى لا تريد أن ينظر لها الأخرين بأنها صائدة للرجال ، وتسببت بخراب بيت إمرأة أخرى من أجل سعادتها _____________ شعرت كأن العديد من الفراشات الملونة راحت تضرب قلبها بجناحيها منذ رؤيتها له وهو يلج القاعة الدراسية ، فعودتهما للدراسة اليوم شهد صخبًا من خفقات قلب يهوى آسره ، فما أن وقف أمام ذلك المكتب الصغير ، وقع بصره عليها هى وشقيقته ، فهما جالستان بالمقدمة ، لا يفصل بينه وبينهما سوى بضع خطوات ، ماستان براقتان ، كل منهما ملكت شطرًا من قلبه ، إحداهما مدللته والأخرى ساحرته ، فإبتسم على غير عادته عندما يكون بالقاعة الدراسية ، فربما إبتسامته كانت ذات وقع غريب بنفوس الطلاب ، الذين لم يروه يبتسم مرة واحدة خلال تدريسه لهما منذ بدأ العام الدراسى ولكن جاءت عبارته الهادئة متممة لشعورهم بأن ربما من يقف أمامهم ليس ذلك المحاضر متجهم الوجه الذى كان عليه دائماً : – أخباركم إيه كلكم ، وإن شاء الله تكون إجازة نص السنة كانت اجازة سعيدة عليكم ، وتكونوا عملتوا ريفريش لعقلكم ، علشان تقدروا تكملوا الترم التانى ، يلا بينا نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم بدأ الشرح وساد الصمت ، ولكن ليان شعرت بأن ذلك الهدوء والصمت ستفسده تلك الخفقات التى علا صوت طنينها بأذنيها ، فمن يراها وهى تكاد تلتهمه بعيناها بشغف ، لن يصدق أنها كانت تتمنى موته أحياناً كثيرة فبتذكرها ذلك الأمر ، راحت تتمتم بصوت هامس: – بعد الشر عليه ، يارب احفظه واحميه علشان خاطر الناس اللى بتحبه ردت رهف قائلة بذات الهمس : – يارب يا أختى يارب أطمئنت ليان لعدم إنتباه رفيق عليهما وهو يوليهما ظهره لكتابة بعد النقاط الهامة على تلك اللوحة الدراسية المتصدرة الجدار ، فأدنت برأسها من رهف قائلة : – أنتى رامية ودنك فى بوقى يا رهف ، خلى يومنا يعدى ، دا النهاردة لسه أول يوم فى الترم التانى ، كفاية فضيحة الترم الأول أدعت رهف الحكمة والجدية وقالت : – متقلقيش هبقى مؤدبة ومش هضحك ، بس موعدكيش أنا .... لم يسعفها الوقت بقول شئ أخر ، إذ وجدت شقيقها يلتفت إليهما يزجرهما بنظراته الحادة ، فأبتلعت لعابها لعلمها بأن ربما أفرطتا بهمسهما حتى بات مسموعًا ، فألتزمتا الصمت حتى أنتهى الوقت ، فخرجتا من القاعة وظلت تبحث عنه بعينيها لترى أين ذهب ؟ كأن تفقد شعورها بالأمان كلما غاب عن عيناها ، ولكن نظرت بهاتفها بعد رنينه دليلاً على وصولها رسالة نصية ففتحت الرسالة وقرأتها بصوت منخفض : – أنا عارف أن لسه عندكم محاضرات تانية بس أنا روحت الشركة لشغل ضرورى ، أول ما تخلصوا خلوا السواق يوصلكم على البيت على طول مفهوم يا ليان زفرت بإحباط ، فإنتبهت رهف عليها ، فعلمت ما أصابهما بعدما أخبرتها برحيل رفيق من الكلية ، فأقترحت رهف قائلة: – أقولك بعد المحاضرات هنزوغ ونروح لأبيه الشركة إيه رأيك سعدت ليان بإقتراحها فردت قائلة : – ماشى هو أنتى عارفة الشركة فين ؟ حركت رهف رأسها بالايجاب وهى تقول : – أه طبعاً ، دا الموظفين هناك عارفنى برهف أم لبان وشيكولاتة أبتسمت ليان على قولها وعادتا للقاعة الدراسية ، فبعد إنتهاء المحاضرات ، أوصت رهف السائق الخاص بتلك السيارة الخاصة بها هى ووالدتها بأن يذهب بهما للشركة ، فظلت ليان طوال الطريق تفكر فى رد فعل زوجها إذا رآها ، فهى تخشى أن يشعر بالضيق أو الإستياء لعدم سماعها لأمره بأن تعود هى ورهف للمنزل ، فقبل أن تحث رهف على أن تخبر السائق بعودتهما ، وجدت رهف تصيح بسعادة من أنهما وصلتا للشركة فترجلت ليان على مضض ، كأنها تخشى أن تطأ المكان بقدميها ، ولكن رهف جرتها خلفها حتى وصلوا للطابق الواقع به غرف مكاتب المدراء فأقتربت رهف من بسمة وهى تبتسم قائلة : – هو أبيه رفيق جوا يا بسمة ردت بسمة قائلة بإبتسامة هادئة: – لاء فى أوضة الاجتماعات خمس دقايق ويرجع مكتبه هى مين دى اللى معاكى ردت ليان قائلة بسرعة : – أنا أبقى واحدة قريبتهم عقدت رهف حاجبيها فقبل أن تقول شيئاً ، جذبتها ليان من ذراعها لتجاريها بكذبتها ، فكأنها خشيت التصريح بكونها زوجته ، ولا تعلم سر تصرفها هذا ، ولجتا غرفة مكتب رفيق ومرت الخمس دقائق ورآت رفيق يلج الغرفة فما أن رآهما حتى أسرع بخطواته تجاههما وهو يقول بقلق : – أنتوا جيتوا هنا ليه حصل حاجة إبتسمت رهف وردت قائلة: – مفيش حاجة يا أبيه متقلقش أنا جبت ليان تتفرج على الشركة هو مالك فى مكتبه أروح أرخم عليه هز رفيق رأسه بهدوء ، فخرجت رهف من الغرفة ، بينما ظلت ليان جالسة مكانها ، كأنها تخشى التحرك من مكانها ، فأقترب رفيق من تلك الأريكة الجالسة عليها وجلس بجوارها قائلاً: – إيه رأيك فى الشركة عجبتك ؟ بس كده متسمعوش الكلام وبدل ما تروحوا البيت تيجوا هنا أزدردت ليان لعابها وردت قائلة بخفوت: – هى رهف اللى اقترحت عليا والصراحة أنا وافقت بسرعة علشان كنت عايزة أشوفك وأنت صاحب الشركة ، لايق عليك الدور القيادى أوى لا يعلم إرتجاف يدها الملحوظ عائداً لشعورها بالبرد ، أم هناك سبب أخر ، فما أن أخذ يديها بين كفيه ، حتى زفرت ليان زفرة مطولة ، كأنها بذلك تحاول إخراج ذلك الهواء الجاثم بصدرها ، والذى إذا ظل عالقاً برئتيها سيصيبها بالإختناق لا محالة فإبتسم قائلاً بتسلية لعلمه بما أعتراها : – يعنى عجبتك وأنا عامل مدير ظلت تهز رأسها بالإيجاب ، تتمنى لو أن بإمكانها أن تخبره أن يطلق سراح يديها ، وإلا ستظل تؤمى برأسها هكذا ببلاهة ولن تفه بكلمة ، فأمتنت لتلك الطرقات على الباب ، لكونها جعلته يتركها ويأذن للطارق بالدخول ، فالقادمان لم يكونا سوى رهف ومالك ، فألقى مالك عليها التحية بإبتسامته البشوشة وبعد مرور نصف ساعة أعلن رفيق عن ضرورة عودتهما للمنزل فبالمنزل كانت والدتهم جالسة تتفكه مع باسم ، الذى عاد بعد إنتهاء يومه الدراسى بتلك المدرسة الجديدة ، التى إنتقل إليها ، وأنهى مذاكرته وجلس مع سيدة المنزل لحين عودة باقى أفراد الأسرة فما أن رآى شقيقته هب واقفاً وأقترب منها واحتضنها وهو يقول بسعادة : – ليان المدرسة الجديدة دى حلوة أوى ربتت ليان على ظهره وردت قائلة بحنان : – الحمد لله يا حبيبى أن المدرسة كويسة وعجبتك ، سيبنى بقى أطلع أغير هدومى وأنزل تحكيلى بالتفصيل عملت ايه فى المدرسة هبت منى واقفة ورحبت بعودتهم ، فأمرتهم بحزم قائلة : – يلا غيروا هدومكم وتعالوا علشان تاكلوا دا انا عملتلكم محشى مشكل و ورق عنب ومكرونة باشميل والحلوة بسبوسة وكنافة صاحت رهف قائلة: – يا نهارى على الريجيم اللى هيروح فى داهية النهاردة بسبب ست الحبايب يا حبيبة ، بس ولا يهمنى يغور الريجيم ، احنا هنعيش كام مرة ، أغرفى يا ماما ثوانى وهكون أول واحدة على السفرة صعدت رهف الدرج بخطوات شبه راكضة ، وذهب كل منهم لتبديل ثيابه ، فأسرعت ليان بتبديل ثيابها حتى تخرج من الغرفة ، فتلك الحدود التى وضعتها معيارا لإلتزامهما بذلك الوعد المختص بأخذ وقتهما الكافى للتأقلم على طباع بعضهما البعض ، جعلها تحترس أثناء وجودها معه بمكان واحد ، فما أن رآت مقبض باب المرحاض يتحرك دلالة على أن رفيق أنتهى من إغتساله ، فرت هاربة من الغرفة وهبطت الدرج للطابق السفلى مر شهراً كاملاً على المنوال ذاته ، صخباً عالياً و أصوات تصم الأذان ، اغمض عينيه ووضع يديه على أذنيه ، لمنع تلك الأصوات من أن تتسلل الى مسامعه فربما لديها الإصرار أن تصيبه بالصمم ، ولكن بالرغم من ذلك تصنع الهدوء محاولاً ضبط أعصابه ، فهو يكره الصوت العالى بشدة فناداها قائلاً بحزم : –:" ليان وطى صوت التليفزيون شوية مش عارف أركز فى شغلى كده" أسرعت ليان بإطفاء التلفاز وهى تقول : –:" أنا أسفة أصل مبعرفش اتفرج على التليفزيون الا اذا كان صوته عالى كده وانا بردانة والجو سقعة ومكنتش قادرة أنزل تحت أتفرج على المسلسل اللى متبعاه إبتسم رفيق على قولها وقال : – طب هو مينفعش تتفرجى على المسلسل إلا لما تعلى الصوت أوى كده دا أنتى حتى ودانك توجعك من الصوت العالى يا حبيبتى " بالرغم من ذلك أخذته الشفقة عليها ، فقام بسحب إحدى الأغطية الخفيفة ووضعها على كتفيها ، فبهتت من فعلته ، فعلى الرغم مما تفعله معه ، إلا انه يتعامل معها بلين ورفق فهى مر عليها عدة أيام بمنزله ، بالبداية فعلت كل ما يغضبه ولكنه قابل تصرفاتها الطفولية بصدر رحب وجدها تنظر اليه ، ابتسم ابتسامة خفيفة ، اخذت هى بتلك الغمازة ، التى ظهرت بوجنته اليسرى ، فكم هو حقاً وسيماً لديه ابتسامة تسترعى الانتباه ، سرت رجفة قوية فى اوصالها من ذلك الشعور ، الذى بدأ يتسلل بداخلها قابضاً على قلبها يجعلها فى تلك اللحظة لا تفكر سوى فى أن تغوص بين ذراعيه بإحدى نوبات العناق الحارة ، الذى بات محرماً عليهما فحمحمت تجلى صوتها وهى تقول: –:" انت ليه بتعمل كده يعنى انا عملت كل حاجة تنرفزك وتزهقك وبالرغم من كده انت سكت لو حد مكانك مكنتش استبعد انه يضربنى" اتسعت ابتسامته ، فهى تتحدث معه بذلك الهدوء ، الذى شب بقلبه عواصف ، من رؤيتها هادئة ، تتحدث بلطف ذلك اللطف الذى لم يرى منه شئ منذ أن تعرف عليها ، سوى بأوقات قليلة جداً فرد قائلاً بهدوء : –:" لأن انا عندى اخت فى نفس سنك وانا اللى مربيها فتقريبا عارف انتوا بتفكروا ازاى" مطت ليان شفتها وقالت : –:" يا سلام للدرجة دى يعنى أنت صبور" ترك مكانه وجلس بجانبها ، فرفع يده يتلمس منبت شعرها وهو يقول بصوت متهدج: –:" متستغربيش يا حبيبتى، رهف بالنسبة ليا مش اخت بس دى بنتى اللى ربتها على ايدى واللى عارف كل حاجة عنها" وجدت نفسها تهتف بداخلها ، انها يا ليتها هى الأخرى كانت تربت على يده ، يعلم خباياها ويعاملها بحنان ورفق فعقدت حاجبيها فبما تفكر هى الآن ؟ وجدت نفسها تترك مكانها تبتسم بتوتر ، وخطت بقدميها صوب الباب لتخرج منه فتعجب من فعلتها وقال: –:" انتى راحة فين كده يا ليان" أبتلعت ليان لعابها قائلة: –:" هنزل تحت علشان تعرف تشوف شغلك هنزل اقعد مع رهف وماما منى" لم تزد كلمة أخرى فخرجت قبل ان تخذلها قدميها ، وتخر ساقطة من وابل تلك الابتسامات التى يمطرها بها خرجت من الغرفة كالمغيبة ، فالرجل الذى كانت تتتمنى اختفاءه من حياتها ، أصبح يشغل قلبها وعقلها ، ماذلك الوخز الذى تشعر به فى قلبها ؟ ذلك الوخز المؤلم ولكن تشعر بلذة بسببه ، تلك اللذة التى لم تشعر بها عندما كانت تظن انها تحب ماجد ،هل قالت تظن ؟ هل ما شعرت به لماجد لم يكن حباً فربما كان إعجاباً فقط لانها تعرفه منذ زمن بعيد. تلك الحقيقة كشفت لها أنها وقعت بذلك الفخ الجميل وهو حب رفيق أو إذا صح القول حب ...زوجها هبطت الدرج وهى سارحة بأحلامها ، ولكنها تذكرت أنها لا ترتدى حجابها ، وربما مالك جالساً برفقة والدته وشقيقته ، فعادت أدراجها ثانية وهى تهرول على الدرج ، فقبل أن تدير مقبض الباب ، وجدت رفيق يفتح الباب وهو يحمل حجابها ، فنظر إليها بغضب : – أنتى نزلتى إزاى من غير حجاب ردت ليان قائلة : – ملحقتش أنزل لتحت وأفتكرته ورجعت أخده أخذته منه ووقفت أمام المرآة ، لتظبط وضعه على رأسها ، ولكنها وجدته يقف خلفها ، فشعرت بالإرتباك أكثر ، فحاولت أن تنتهى سريعاً وتخرج من الغرفة ، ولكن بمجرد إستدارتها للخلف ، وجدت نفسها تقع أسيرة ذراعيه ، فهو يبدو عليه الإستمتاع بتوترها ، ولا ينتوى إطلاق سراحها فحاولت دفعه عنها برفق وهى تقول: – ررفيق فى إيه أبعد شوية أطلق رفيق نهدة عميقة وهو يقول: – هى فترة الخطوبة دى هتطول كتير دا مش عدل أبدا أبقى شايفك قدام عينى ومش قادر أقرب منك دا ايه العذاب ده أرتاحت يداها على صدره ، فنظرت بداخل عيناه وهى تقول: – كل شئ فى أوانه جميل يا رفيق – طب أوانه ده هييجى أمتى شكل كده إنتظارى هيطول قالها رفيق بتذمر ، فتبسمت هى على قوله ، فهو يبدو أنه وصل لحافة صبره ، أرادت منحه مكافئة صغيرة ، فأقتربت منه وقبلت وجنته وقالت: – طب خليك شطور بقى وأصبر شوية كمان أرادت أن تمزح معه ، ولكنها لا تعلم أن بفعلتها تلك ، قد ساهمت بإشعال النيران بقلبه ، فهو يرى أنه قد طال إنتظاره لها ، وهو من كان دائماً يتحلى بالقدرة على الصبر والصمود ، ولكن معها هى فالأمر يحتاج لقوة مضاعفة من الصبر ، الذى ينفذ سريعاً إذا وقعت عيناه عليها وخاصة خضراواتيها _____________ ذات ليلة أخذ أكمل قراره ، فهو سيتحدث معها ، لعله يصل الى حل ، يرضى جميع الأطراف ، فهو لن يستمر معها هكذا فيكفى ما يحدث منها لهذا الحد ، فهى تحزم أمتعتها الآن ، لترحل إلى إحدى تلك البلاد ، التى تقضى بها أوقاتها باستمتاع ، غير عابئة به أو بطفلتها الصغيرة التى هى بحاجة إليها فناداها أكمل بحزم قائلاً : –:" شهيرة انا عايز اتكلم معاكى ضرورى" ردت شهيرة بعدم إكتراث وهى تضع ثيابها بالحقيبة : –:" ها خير فى ايه أكمل قول بسرعة علشان مش عايزة أتأخر" وضع أكمل يديه بجيبه قائلاً ببرود : –:" احنا لازم ننفصل مش هنكمل حياتنا كده يا شهيرة كفاية لحد كده كل واحد يروح لحاله" تركت شهيرة ما بيدها وألتفتت له قائلة بإستنكار : –:" ايه ننفصل بتقول ايه حضرتك" حاول أكمل أن يتحدث بهدوء ، لعلها تقتنع بصحة قراره : –:" طالما مش مرتاحين مع بعض يبقى كل واحد يشوف حياته جايز تقابلى واحد احسن منى وتعيشى مبسوطة معاه طالما لا قادرة تحبينى ولا حتى تحبى بنتك وأوعدك أن أنا وكنزى مش هنكون عقبة في طريقك" ألتوى ثغرها وتبسمت بسخرية وهى تعقد ذراعيها فردت قائلة: :" قول كده بقى انت عينك زاغت على واحدة تانية ما تقول خايف ليه " –:" ايوة يا شهيرة أنا بحب واحدة تانية وخلاص زهقت من حياتنا دى فنطلق أحسن مش هفضل عمرى كله عايش العيشة دى" قال أكمل حديثه دفعة واحدة ، بدون أن يحاول إلتقاط أنفاسه ، فنظرت اليه بعيون جاحظة ، فهى لم تتخيل أن يتفوه بتلك الكلمة بهذه البساطة ، ولكنها لن ترتضى بما يقول ، بل ستجعله يدفع الثمن غالياً بأن عيناه رأت امرأة أخرى ، ستذيقه ويلاتها وستجعله يخر عند قدميها طالباً الصفح مما سيحدث له فدفعته بصدره وهى تصرخ بوجهه: –:" انت بتحب واحدة تانية والله لاندمك يا أكمل هخليك تقول يا ريت اللى جرا ما كان ومن دلوقتى مش هتشفنى انا ولا بنتك" أتسعت مقلتيه وهو يقول برفض : –:" لاء كنزى لاء" كزت على أنيابها بغيظ عظيم قائلة : –:" انا هخليك تعيش بحسرتك على بنتك" أسرعت بالخروج من الغرفة ، بل أغلقت الباب بالمفتاح حتى لا يستطيع اللحاق بها ، فظل أكمل يطرق الباب وهو يصرخ بصوت عالى : – شهيرة أفتحى الباب ملكيش دعوة بكنزى شهيرة حد يفتح الباب إستمعت الخادمة لصوت صيحته القادمة من غرفة النوم الكبيرة ، فأسرعت بفتح الباب ، فركض خارجاً من الغرفة ، فبذات الوقت ، كانت شهيرة سحبت ابنتها من يدها بعنف وأستقلت سيارتها وخرجت من المنزل اخذ سيارته ليلحق بها ، كان يحاول ايقافها عما تفعل الا انها لم تعير ما يفعله اهتماماً ، فأقترب بسيارته من سيارتها وهو يناديها برجاء : –:" شهيرة اعقلى وبطلى جنان نزلى كنزى وقفى العربية بقولك" نظرت له شهيرة قائلة بحقد : –:" أنت لسه شوفت جنان صبرك عليا يا أكمل" قادت سيارتها بأقصى سرعة ، يتبعها هو بسيارته يحاول ايقافها دون جدوى ، فلم تعير لصراخ صغيرتها الذى ملأ أرجاء السيارة إهتماماً بل أنها صرخت بوجهها وهى تقول: –:" اخرسى بطلى صراخ اسكتى أنتى فاهمة" صرخت كنزى وهى تنادى أبيها : –:" بابى الحقنى ااااه" كلما حاول أكمل أن يصل بسيارته إليها ، تزيد من سرعة قيادة السيارة ،حتى شعر انها ستطير بالسيارة فحاول إتباع اللين معها وهو يرجوها أن تهدأ من سرعة قيادة السيارة: – :" شهيرة اهدى ووقفى العربية شهيرة اسمعينى بس أنتى كده هتأذى نفسك أنتى وكنزى" لم تستمع لتحذيره ، بل أنها تجاوزته بالسيارة وهى تضغط على المكابح بقوة ، إلا أنها لم تستطيع التحكم بها ، فأطلقت صرخة رعب مدوية ، وهى ترى تلك الشاحنة التى كانت اضواءها تعمى أبصارها صوت صرخات قوية ، شقت سكون الليل بهذا الطريق ، قبل أن تصطدم بهما الشاحنة ، تحدث انقلاباً سريعاً فى السيارتين ألسنة لهب ودخان وأجساد مغطاة بالدماء وسيارات تحولت إلى حطام حاول أن يفتح عينيه ليعود و يغلقها بصعوبة ، تتنازع روحه على البقاء واعياً يهمس باسم طفلته ، وهو يراها ملقاة على وجهها والدماء تغطى جسدها ، ففرت دمعة من عينيه قبل أن يغلقهما وينسحب إلى تلك الهوة السوداء لايرى بها شئ سوى ظلام دامس ٢٣– " صديق العمر " كلما سنحت له قواه بإستعاده وعيه ، فهو ينادى صغيرته بصوت ملتاع ، فتعود وتأخذ الدموع مجراها بعينيه ، كلما تذكر رؤيتها وهى مسجاه بدماءها ، فهو ظن أنه خسرها للأبد ، ولكن تلك اليد التى ربتت على كتفه ، جعلته يفتح عيناه ببطئ ، فرآى وجه رفيق يطل عليه بإبتسامة وعيناه مغرورقتان بالدموع لرؤيته على تلك الحالة فبكى أكمل قائلاً بألم وصوت خافت : – كنزى يا رفيق كنزى راحت منى مد رفيق يده ومسح عيناه وهو يقول: – أهدى يا أكمل كنزى كويسة هى أتعورت بس إن شاء الله هتخف متقلقش بفرحة عارمة حاول أكمل رفع رأسه بعد سماع قول رفيق ، فهتف بعدم تصديق: – بجد يا رفيق كنزى كويسة هى عايشة طب شهيرة عاملة إيه هى كمان كويسة ؟ إبتلع رفيق لعابه قائلاً بأسف : – للأسف شهيرة ماتت يا أكمل الله يرحمها مقدروش ينقذوها كانت حالتها أصعب منك أنت وبنتك ، ماتت النهاردة الصبح أغمض أكمل عينيه وتحركت رأسه على الوسادة ، ودمعت عيناه بسماع خبر وفاة شهيرة ، فعلى الرغم مما كان يحدث بينهما إلا أنه لم يكن يريد لها نهاية ومصير كذلك المصير الذى لاقته فرد قائلاً بحزن : – الله يرحمها ويغفر لها ويسامحها ربت رفيق على صدره بهدوء وهو يقول: – أنا كلمت الدكتور وطمنى عليك أنت وكنزى بس هتفضلوا هنا فى المستشفى شوية علشان الكسور اللى فى جسمكم ماشى يا حبيبى ولو أحتاجت أى حاجة قولى وأنا عيونى ليك يا أكمل – شكراً يارفيق تسلملى يارب قالها أكمل وهو يشعر بثقل رأسه من أثر العقاقير الطبية ، فأسدل جفنيه وأنتظمت أنفاسه ، بينما خرج رفيق من الغرفة للعودة للمنزل ، فهو منذ علمه بما حدث لصديقه ، وهو جالساً هنا بالمشفى ، ورفض الرحيل قبل إفاقته والإطمئنان على أحواله ، فهو بإمكانه العودة لمنزله الآن ، لينال قسط من الراحة ويعود إليه ثانية ________________ منذ علمها بوقوع الحادث وهى لا تهدأ ، فوالدتها قد منعتها أن تذهب إلى المشفى لرؤياه ، وهى باتت تعلم أن والدتها لن تتراجع عن قرارها ، ولكن ماذا تفعل هى؟ فهى إن وافقت على الزواج من طارق ، ستكون بذلك ظالمة بحقه وهى تشعر بالحب نحو شخص آخر فأقتربت منها والدتها وهى تقول بإنفعال : –:" قولتى إيه يا سارة بخصوص موضوع جوازك من طارق موافقة ولا لاء" هبت سارة من مكانها وهى تصرح برفضها القاطع قائلة : – :" لاء مش موافقة ياماما مش موافقة ومش هوافق اتجوزه" حاولت والدتها مقابلة ثورتها بلطف ، لعلها تتخلى عن تصلبها برأيها ، فهى لن توافق على أن تتزوج من رجل لديه زوجة أخرى ، فأقتربت منها تمسد على ذراعها وقالت بحنان : – :" يابنتى حرام عليكى متميليش بختك يعنى ملقتيش الا الراجل المتجوز ده وكمان عنده بنت أنتى عايزة تجننينى معاكى" طفرت الدموع من عينيها وهى تقول بغصة : –:" مش بايدى يا ماما أعمل إيه يعنى حتى مش راضية تخلينى أروح أشوفه فى المستشفى أنا لما نسرين قالتلى فى التليفون على موضوع الحادثة أتصدمت وكل اللى عرفته أن هو وبنته ومراته فى المستشفى ومعرفش حاجة تانى" أنتفخت أوداج والدتها مما سمعته منها ، فقبضت على ذراعها وهى تقول بغضب : –:" انسيه يا سارة شليه من دماغك خالص وده اخر كلام عندى وأديكى قولتيها بلسانك مراته هى كمان فى المستشفى يعنى افتكرى أن هو مش حر " تركتها بعد أن اسمعتها ما لا تريد سماعه ، فماذا تفعل؟ او كيف ستسير حياتها ، التى تشعر الآن بأنها أنقلبت رأساً على عقب منذ علمها بحب أكمل لها ، فأرادت الإطمئنان على أحواله ، بطريق غير مباشر ، فخرجت من الغرفة وأستندت على سور الجدار المحيط بالسطح ، فأخرجت هاتفها من جيبها تريد مهاتفة نسرين لعلها لديها أخبار جديدة بعد لحظات جاءها صوت نسرين وهى تقول: – أزيك يا سارة عاملة ايه دلوقتى ردت سارة قائلة بهدوء : – الحمد لله نحمد ربنا طمنينى أنتى ايه أخبار مستر أكمل تنهدت نسرين بصوت مسموع وقالت : –مراته ماتت فى المستشفى النهاردة وهو وبنته يعنى حالتهم مستقرة إلى حد ما – مماتت قالتها سارة بصدمة ، ووضعت يدها على فمها ، فبالرغم من عدم معرفتها بمن تكون زوجته إلا أنها شعرت بالشفقة عليها ، فبعد إنتهاء المكالمة بينها وبين نسرين ، جلست على الأريكة الموضوعة أمام الغرفة ، وهى تنظر للسماء بشرود من تلك القصة المعقدة ، التى عاشتها مؤخراً ____________ مكان اشبه بالخراب ، وغرفة تكاد جدرانها تتهدم ، من صوت صرخات هؤلاء الفتيات ، اللواتى يحاولن ايجاد مخرج للخروج من هذا المكان ، فالحارس الشخصى الذى يحرس الباب ، يكاد أن يصبح مختل ، بسبب صراخ الفتيات ، فهو بانتظار أوامر ذلك الرجل للتصرف بشأنهن لمح سيارة سوداء ذات دفع رباعي تقف أمامه ، وترجل منها حارسان ، يتبعهما ذلك الرجل الذى يضع بين فمه سيجاره الغالى ينفثه ببرود فأقترب منه قائلاً : –:" ها ايه الاخبار " رد الحارس قائلاً : –:" كله تمام يا باشا المعلمة توحة بعتت 3 بنات على 4 اللى كانوا هنا يعنى كده فى سبع بنات فى الاوضة جوا بس الصراحة مش مبطلين صوات وصريخ لما وجعولى دماغى يا باشا" دعس سيجاره بطرف حذاءه قائلاً : –:" بعتتهم زى ما قولتلها" أماء الحارس برأسه وهو يقول: –:" ايوة يا باشا بس زى ما قولتلك عماليين يصوتوا لحد ما جابولى صداع من صوتهم وأخاف يا باشا حد يشم خبر بالموضوع ونروح كلنا فى داهية" ربت على وجه الحارس قائلاً: –:" هانت كلها 3 ايام وهنسفرهم مع الشحنة بس توحة تجيب البنت اللى فاضلة وقالت عليها" أقترب الحارس من الباب يعمل على فتح القفل وهو يقول: –:" تمام يا باشا هم كمان برا بعتوا يستعجلونا عايزين البنات" خطا الرجل بخطواته للداخل وهو يقول: –:" كله هيبقى فى الميعاد وهيتسلموا بس المرة دى التمن لازم يبقى عالى أووى دول بنات فابريكة فلازم يدفعوا اكتر" ضحك الحارس ضحكة عالية ثم قال: –:" انا بعتلهم صور البنات ومن ساعة ما شافوهم وهم هيتجننوا وعايزينهم النهاردة قبل بكرة وخصوصاً البنت اللى مستنين المعلمة توحة تجيبها " ألتوى ثغره متبسماً وقال: –:" المهم خلى بالك وفتح عينيك الاتنين ماشى ، وأنا هستعجل توحة فى أنها تجيب البنت اللى فاضلة ، مش عارف إيه اللى مأخرها كده " رفع الحارس إصبعه يشير لعينيه قائلاً بطاعة : – :" أوامرك يا باشا من عيونى الاتنين هى دى أول مرة أشتغل معاك يا صابر باشا دا أنت صابر منصور اللى الكل بيعمله ألف حساب دا كفاية بس هيبتك فى الحكومة يا باشا" تعالت ضحكات صابر من حديث الحارس ، فماهو إلا أحد رجال السياسة ذو النفوذ والثراء ، والذى يوارى خلف منصبه أعمال الفسق والفجور خاصته ، فخرج من الغرفة بعد أن ألقى نظرة على وجوه الفتيات ، اللواتى كاد ان يبتلعهن بنظرته الدنيئة الثاقبة ، فما هو إلا تاجر أعراض ، يهوى بيع الفتيات الصغيرات ، محققا ربحا عالياً ، متناسياً عذاب الواحد الأحد _____________ عاد رفيق من المشفى ، لينال قسط من الراحة ، فكم كانت صدمته قوية ، عندما علم بحادث صديقه أكمل ، فكأن شئ سقط على رأسه بتلك اللحظة التى علم بها بأمر الحادث فأرتمى على الاريكة بألم ظاهر ، يغمض عينيه يحاول أن يجمع شتات نفسه ، عندما سمع صوت والدته فتح عينيه بتعب فأقتربت منه والدته وهى تقول بإهتمام : –:" أكمل عامل ايه النهاردة يا رفيق" رد رفيق قائلاً بإرهاق : –:" الحمد لله أحسن يا أمى والنهاردة فتح عينيه وكلمته" قالت والدته بأسى على حاله : –:" ربنا يشفيه ويعافيه يارب هو وبنته" أخذ رفيق نفساً عميقاً وقال: –:" اللهم آمين دا لو كنزى كان جرالها حاجة مش بعيد أكمل كان راح فيها يا أمى " ربتت والدته على كتفه وهى تقول: – :" ربك رؤوف رحيم الله يرحمها شهيرة كانت السبب فى ده كله بدماغها الناشفة ، ولما اتصلت عليا النهاردة الصبح وقولتلى أنها ماتت والله صعبت عليا " نهض رفيق من مكانه قائلاً: –:" الله يرحمها ميجوزش عليها دلوقتى إلا الرحمة دا حتى كمان عرفت أن أبوها لما سمع الخبر طب وقع من طوله وفى المستشفى هو كمان دلوقتى " تخلل الحزن صوتها وهى تقول: –:" لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الله يرحمها ويغفر لها ويشفيه ، روح يا حبيبى غير هدومك علشان تتعشى" هز رفيق رأسه نافياً وهو يقول: –:" مليش نفس يا أمى أنا عايز أرتاح وأنام شوية حاسس بارهاق جامد ، بقالى كام يوم من ساعة الحادثة مكنتش بنام من كتر الخوف على أكمل وبنته " لمح دلوف شقيقته وزوجته وأخيها ، من حديقة المنزل فنظرت اليه ورأت على وجهه علامات الإرهاق ، فهى تعلم بشأن حادث صديقه ، ولا تعلم كيف تواسيه ؟ فهى لم تراه منذ بضعة أيام ، فهو بحالة لا تسمح له بتحمل مزيد من الأسئلة التى كانت تريد طرحها عليه ، فلتدعه ينال راحته أولاً نظر إليها نظرات صامتة ، ولكنها قرأت بعيناه الكثير ، فربما هو بحاجة إليها الآن ، ولكنه لن يجرؤ على أن يقولها صريحة ، فصعد الدرج يريد الذهاب لغرفته ، فهو بحاجة إلى النوم ، لعل النوم ينسيه ولو مؤقتاً تلك الهموم التى تراكمت على قلبه فأقتربت رهف منه وهى تسأله بإهتمام : –:" ايه يا أبيه مش هتتعشى معانا قبل ما تنام" إلتفت إليها رفيق قائلاً بإبتسامة واهنة : –:" كلوا أنتوا يا حبيبتى أنا عايز أنام تصبحوا على خير" لم يتفوه بكلمة أخرى ، فذهب قاصداً غرفته ، يريد أن يريح جسده ، الذى يشعر بأنه بات يأن ، من كثرة الألم والوجع فنظرت رهف لوالدتها قائلة بأسى : –:" ابيه رفيق مش عاجبني خالص يا ماما دا باين عليه التعب أوى" جلست منى على الأريكة خلفها ، فمسحت بيدها على وجهها وهى تقول: –:" متنسيش أن أكمل صاحبه من وهم صغيرين وكمان ملوش صاحب غيره " تنهدت رهف وقالت: –:" هو كمان صعبان عليا أوى ربنا يشفيه هو وكنزى يارب" أرادت ليان الصعود للغرفة لرؤية زوجها ، ولكن فكرت بعمل بعض الشطائر لتأخذها له ، لعله يستمع إليها ويتناول طعامه فهتفت بهم قائلة : –:" طب عن اذنكم أنا" رفعت منى رأسها ونظرت إليها قائلة : –:" راحة فين يا ليان مش هتتعشى أنتى كمان" إزدردت ليان لعابها وهى تقول بخجل : –:" هعمل سندوتشات واخدها لرفيق علشان ياكل طالما مش قادر يقعد ياكل معانا وهبقى أكل معاه" إبتسمت لها والدة زوجها وقالت : – :" ماشى يا حبيبتى روحى اعمليه سندوتشات" اصطبغ وجهها باللون الأحمر ، لفهمها المغزى من تلك الابتسامة الجلية ، على وجه والدة زوجها ،ورأت أيضاً ابتسامة رهف وباسم ، كأنهم على علم ودراية بما يحدث فهتفت بها رهف بدهاء : –:" ماشى يا ستى ربنا يسهله" أقتربت منها ليان وقرصت وجنتها وهى تقول بغيظ: –:" بطلى لؤم يا رهف علشان عرفاكى" تألمت رهف بصوت فكاهى قائلة : –:" أى أى دا انا غلبانة وكيوتة أهو أنا عملت إيه بقى" فأراد باسم ممازحتها هو الأخر فهتف بها قائلاً: –:" ابقى اعمليلى ساندوتش معاكى يا ليان " وضعت ليان يديها بخصرها وهى تنظر لشقيقها قائلة : –:" أيوة أيوة أنت اتعاديت من رهف أم دم خفيف" لوت رهف شفتيها وهى تقول : –:" سيبك من أختك النكدية دى يا باسم تعال نلعب سوا كونكت فور" نهض باسم من مكانه قائلاً: –:" ماشى يلا بينا وهغلبك برضه كالعادة" تصنعت رهف الثقة والغرور وهى تقول: –:" ايه يا واد الثقة اللى أنت فيها دى جايبها منين أنا بتغلب أه بس بمزاجى وبكرامتى فاهم" ابتسمت منى على تصرفات ابنتها ، فهى لا تتغير أبدا ، فهى دائما مرحة تحب المزاح ، ومما زاد فى مرحها وجود ليان وباسم ، الذى أصبح لرهف بمثابة شقيق ثالث لها بجانب رفيق ومالك بعد أن أنتهت ليان من إعداد الشطائر وكوب من الحليب الدافئ وبعض من الفاكهة الطازجة ، التى يغرى شكلها على الأكل ترسل الى المعدة اشارات تزيد من الإحساس بالجوع، حملت الصينية وصعدت الدرج بحرص ، حتى وصلت للغرفة كاد أن ينتهى من صلاته ، عندما دلفت الغرفة ووضعت الصينية على المنضدة الصغيرة ، فعندما نظر إليها ابتسمت له ابتسامة حنونة كطفلة صغيرة تنظر الى والدها الحبيب فأشارت لمحتوى الصينية وهى تقول : –:" انا جبتلك حاجة تاكلها مينفعش تنام من غير ما تاكل وتلاقيك الأيام اللى فاتت مكنتش بتاكل وتنام كويس" نهض رفيق من مكانه وأقترب منها وألقى برأسه على كتفها وهو يقول بتعب : –:" أنتى اللى جيباها بنفسك يا ليان متعرفيش أنا حاسس بالتعب والارهاق إزاى أنا اليومين اللى فاتوا كنت بموت بمعنى أصح" رفعت ليان ذراعيها وطوقته بهما وهى ترد قائلة: –:" بعد الشر عليك الحمد لله أنها عدت على خير تعال يلا علشان تاكل مسح وجهه بكتفها مغمغماً : – بس أنتى اللى هتأكلينى مش قادر أفتح عينى أساساً – حاضر بس تعال إبتعدت عنه وجذبت يده وجعلته يجلس على الأريكة ، وجلست بجانبه وبدأت بإطعامه كالطفل الصغير ، فكلما أبدى إكتفاءه ، تعود وتنهره بلطف من أنه يجب أن ينهى طعامه فإبتسمت على وضعهما وهى تقول: – تصدق حياتنا مع بعض كانت عاملة زى اللغز قطب رفيق حاجبيه قائلاً: –:" لغز ! لغز ايه ده" ردت ليان قائلة بإبتسامة هادئة: –:" غزالة صغيرة وقعت فى فخ نصبه ليها صياد ، شافها حلف أنه ما يسبها ، حبسها حاولت تهرب ، كل ما تهرب هو كان بيرجعها ، لحد ما زهق ، سابلها الباب مفتوح ، صدقت خلاص حريتها رجعتلها ، فضلت تجرى وتجرى ، بس وقفت فضلت تفكر ، ان حريتها اللى كانت بتجرى وراها ، دلوقتى مبقتش تهمها قد ما يهمها أن هى ترجع تانى للصياد ، لأنها عرفت أنه اكتر واحد كان خايف عليها ، بالرغم انه مكنش مبين ده بس هى عرفت من نظرة عنيه اللى دايما بتناديها" إبتسم رفيق بخفوت وهو يقول: –:" كلامك غريب أوى النهاردة يا ليان" ناولته كوب الحليب وقالت : :" فكر فيها بس كويس وأنت هتعرف الحل والحل فى ايدك أنت يا صياد" فرت هاربة من أمامه ، فما كان ينقصها ، الا أن تبوح له بأنها باتت على أتم الاستعداد لتصبح له الزوجة التى يتمناها ،فهى تشعر بارتجاف قلبها بين أضلعها ، كالفراشات ترفرف بداخلها ، تجعلها تشعر انها تحلق فى سماء صافية كتلك الطائرة الورقية ، التى كانت تهوى دائما اللعب بها ، ولكن أصبحت زمام أمورها بيده هو وليست يدها ، فكم أصبحت تحب ذلك الشعور ، بأنه يوجد من يخشى إصابتها بمكروه و يخاف عليها ويحتويها ويتولى زمام أمورها ، فما اغربها لعبة العواطف ، لا تعرف شريعة ولا منهاجاً ، فمن كانت تمقته بالسابق ، اصبحت الآن اسيرة عيناه الباعثة على الدفء والحنان والعطف ، فكم كانت غبية عندما كانت تحاول اخفاءه من حياتها ، أو عندما كانت تريد نيل حريتها منه _______________ باليوم التالى ، إصطحب رفيق والدته وزوجته للإطمئنان على أكمل وإبنته ، فأكمل أصر على الطبيب بأن يقيم هو وصغيرته بغرفة واحدة بالمشفى ، دلف رفيق يتبعه باقى أسرته ، فوالدته تكن لأكمل محبة كأبناءها خاصة أن والدته كانت صديقتها ، فولجت خلف رفيق وهى تبتسم ، فأقتربت من فراش أكمل وربتت على كتفه فدمعت عيناها رغماً عنها وهى تقول : – عامل إيه دلوقتى يا أكمل ألف سلامة عليك رد أكمل قائلاً بإبتسامة: – الحمد لله يا خالتى نحمد ربنا ، شوفتى اتفشفشت إزاى بقيت شبه المومياء المتحنطة من الجبس ده ضحك الجميع على قوله ، فأقتربت ليان قائلة بخجل : – ألف سلامة عليك يا أستاذ أكمل أجر وعافية إن شاء الله أجابها أكمل وهو ينظر لرفيق بدهاء : – تسلمى ، أنتى بقى ليان مرات رفيق ، اللى جت دوبت جبل الجليد اللى كان عايش معانا أقترب منه رفيق ووكزه بكتفه وأدنى برأسه منه قائلاً بهمس : – أتلم أحسن لك ، دا أنت مفيش حتة فيك سليمة هضربك فين قال أكمل متفكهاً بهمس بأذن رفيق : – هنيالك يا عم الحاج ، ربنا يسعدكم يارب ، أنا مش بحسد يا خال أن بقُر بس أستقام رفيق بوقفته ، وجد ليان جالسة بجوار الصغيرة على فراشها تداعبها وتبتسم لها ولم تنسى إعطاءها تلك الدمية التى إبتاعتها لها وهم بطريقهم للمشفى ، فبعد إطمئنانهم على أحوال أكمل والصغيرة عادوا للمنزل ، ففضلت ليان الجلوس قليلاً بالحديقة ، فعاد إليها رفيق بعد تبديل ثيابه فجلس بجوارها قائلاً: – استنيتك تيجى بس أتأخرتى إبتسمت ليان وردت قائلة وهى تنظر للنجوم : – حبيت أقعد هنا شوية حولت بصرها إليه وإستطردت قائلة : – بس باين على أكمل صاحبك أنه غالى عليك أوى تنهد رفيق ورد قائلاً بإبتسامة هادئة: – أكمل صديق عمرى الوحيد ، تصدقى إن إحنا كمان اتولدنا فى أسبوع واحد أنا اتولدت قبله بيومين ، وكبرنا سوا ودخلنا المدرسة سوا ، حتى لما دخلنا الجامعة دخلنا تجارة ، أنا وأكمل ما أفترقناش يوم واحد من وإحنا صغيرين ولحد النهاردة ، وغلاوته عندى زى مالك ورهف ، كانوا ساعات بيقولوا علينا التؤام لأن مكناش بنسيب بعض ، كل واحد فينا بيكمل التانى أسندت ليان رأسها لكتفه بعفوية وهى تقول : – أنت عارف أنا شيفاك إزاى دلوقتى يا رفيق ؟ رد رفيق قائلاً: – إزاى يا قلب رفيق تنفست بعمق وردت قائلة بصدق : – زى الأب اللى دايما مشغول بأولاده ، ومش بيرتاح إلا لما يشوف كل واحد فيهم مرتاح ومبسوط وبخير ، شايل هم الكل أهلك وأنا وباسم وكمان صاحبك وبنته ، وشغلك وتدريسك فى الجامعة رفعت وجهها له وإبتسمت مستأنفة حديثها : – أنت مستحمل كل ده إزاى ، أنا لو منك كان زمانى جرالى حاجة من كتر الضغط ده كله رفع يده ومسد على وجنتها وأسند رأسه لرأسها : – أصل أخدت على كده من صغرى ، كان لازم أكون أب لأخواتى وسند لأمى ، مكنش ينفع أضعف فى أكتر وقت كانوا محتاجينى فيه ، بس مش هنكر أن كان بيجى عليا وقت وكنت بعيط بالليل من غير ما حد يشوفنى ، المسئولية مكنتش هينة ولا سهلة ، بس الحمد لله أن قدرت أوصل بيهم بر الأمان أبتعدت عنه ليان قائلة : – طب يلا نطلع ننام ، عندى محاضرات كتير بكرة وأحلى حاجة أنك راجع بكرة إن شاء الله تدينى المحاضرات ، الكلية ملهاش طعم من غير محاضراتك ضحك رفيق ورد قائلاً: – دا تلاقى الطلبة كانوا بيرقصوا من الفرحة أن كنت غايب أدعت ليان الجدية وهى تقول : – الصراحة أنت بتبقى فظيع فى المحاضرة بس هنسامحك لأنك وسيم قطب رفيق حاجبيه قائلاً: – يعنى إيه مش فاهم تركت ليان مكانها وقالت : – لا ولا حاجة يلا بينا علشان بجد حاسة أن هموت وأنام أخذ يدها بين كفه ودلفا للمنزل حتى صعدا لغرفتهما ، فما أن أبدلت ثيابها ووصلت للفراش ، أنقطع التيار الكهربائي عن المنزل ، ففزعت ليان من الظلام الدامس الذى ملأ الغرفة وصاحت قائلة بصوت مرتجف : – رفيق شغل الفلاش بتاع الموبايل ينور الأوضة ، الضلمة وحشة أوى شعرت بالريبة من عدم رده عليها فتحركت من مكانها وهى تقول بخوف : – رفيق أنت مش بترد ليه أجابها رفيق وهو يتحسس الكومود بيديه ليعثر على هاتفه : – بدور على التليفون يا ليان ثوانى ولكن ما أن وجد الهاتف وأضاء المصباح الخاص ، وألتف خلفه حتى إصطدم بها واختل توازنهما سوياً ، فهتفت ليان بصوت مختنق من شعورها بثقله الجاثم على صدرها: – رفيق أن هموت كده أنت واكل زلط أسرع رفيق بالابتعاد عنها ، فجلست ليان مكانها وهى تزفر بقوة ، فجلس قبالتها وقرص وجنتها وهو يقول بغيظ: – واكل زلط ! وأنا اللى قولت أن مش هسمع حاجة من لسانك الطويل ده قهقهت ليان وقالت : – مش قصدى والله هى طلعت منى كده ، متزعلش منى يا حبيبى أقترب منها حتى كاد يعانقها ، ولكن قبل أن يحصل على مراده ، عاد التيار الكهربائي ، فأرتعدت ليان وأبتعدت عنه قليلاً ، فدمدم قائلاً بسخط : – هو ده وقت النور ييجى فيه تركت ليان مكانها واستقامت بوقفتها وهى تقول بإرتباك وتوتر : – تصبح على خير يا رفيق هرولت نحو الفراش وأندست بين طيات الأغطية الثقيلة ، بل أنها سحبت الغطاء حتى أخفت وجهها ، ومازالت تشعر بتلك الرجفة من خوفها من أن يقدم على معانقاتها أو مغازلتها ، وربما يجدها اليوم أقل تمنعاً ورفضًا ، فهى كلما تتخذ قرارها بإعلان موافقتها لبدء حياتهما الزوجية ، تعود وتشعر بالخوف والجبن ثانية ، فعلى الرغم من أنها باتت تحبه حقاً ، إلا أن تلك النزعة الأنثوية بداخلها مازالت تشعر بالخوف والخجل ، فلم تخرج من دائرة أفكارها ، إلا على سماع صوت تقلبه على الفراش كأنه لا يستساغ الشعور بملمس الفراش أسفله ، فسحبت الغطاء عن وجهها بحرص ، فرآته يترك الفراش وأخذ وسادة وغطاء وذهب للأريكة ، فقبل أن يستلقى عليها ، كانت هى تجذب ذراعه ، فظل ينظر إليها بتمعن ليعلم ماذا تريد منه ، وجدها تطوقه بذراعيها وتخبره بما تشعر به تجاهه ، ولكنها بحاجة لمزيد من الوقت للتغلب على مخاوفها _______________ ألقى مالك الهاتف من يده بتأفف ، فهو يحاول مهاتفة ماهيتاب منذ ما يقرب من الخمسة عشر دقيقة ، فهو لم يراها بالأونة الأخيرة ، نظراً لتلك الأعباء الملقاة على عاتقه من جانب شقيقه ، الذى ترك كل شئ خلفه وظل برفقة أكمل ، فهو ظن أنها أصابها الضيق منه ، لذلك لم ترد على مكالماته ورسائله ، بل أنه ذهب لمنزلها مرتين بالسابق ولم يجدها – هجرب كده أخر محاولة هشوف هترد ولا لاء قالها مالك وهو يأخذ هاتفه ثانية ، فبعد مرور لحظات عديدة ، جاءه صوتها على الطرف الأخر فرد مالك قائلاً بلهفة : –أيوة يا ماهى أنتى كنتى فين ده كله برن عليكى مبترديش وبعتلك رسايل برضه مردتيش ولما جتلك البيت ملقتكيش هو فى إيه نفخت ماهيتاب وردت على حديثه بضيق : – مفيش يا مالك كانت أعصابى تعبانة وسافرت يومين أريح أعصابى فيها حاجة دى يعنى تعجب مالك من هجومها الضارى عليه بالحديث ، فرد قائلاً بإستياء : – فى إيه يا ماهى ما براحة شوية أنا غلطان يعنى علشان بسأل عليكى هو مش أنتى خطيبتى برضه ولازم أطمن عليكى أجابته ماهيتاب بعدم إكتراث قائلة: – اه اه خطيبتك خير فى إيه بتطمن عليا أنا الحمد لله كويسة فى حاجة تانى يا مالك غلى الدم بعروقه من أسلوبها الجاف بالرد عليه ، فكز على أسنانه قائلاً بغيظ: – لا حاجة ولا محتاجة أنا غلطان أساساً أن رنيت عليكى مع السلامة قبل إغلاق الهاتف ، وجد رفيق يلج غرفة مكتبه ، فنهض عن مقعده وترك الهاتف من يده قائلاً : – أهلا يا أبيه نورت الشركة – دا نورك أنت يا حبيبى أنا جيت أطمن على الشغل ماشى إزاى عارف أن الحمل تقيل عليك قالها رفيق وهو يجلس على المقعد أمام المكتب ، فكل هذا إستمعت إليه ماهيتاب عبر الهاتف ، فمالك أنشغل بالحديث مع شقيقه وغفل عن إغلاقه فجلس مالك بالمقعد المقابل له قائلاً : – ولا يهمك يا أبيه المهم نطمن على أكمل يرجع بالسلامة إن شاء الله مد رفيق يده وربت على ساق مالك قائلاً : – إن شاء الله أكمل قرب يخرج بالسلامة ونبدأ نجهز لفرحك ونفرح بيك لم يبتهج مالك بما سمعه من شقيقه ، فحدق به رفيق بإهتمام ، فهو من كان يلح دائماً بإتمام زواجه ، ولكنه لايرى الآن معالم السعادة على وجه ، فأراد معرفة ما أصابه فنظر إليه بعمق وقال: – فى إيه يا مالك شايفك مش مبسوط حصل حاجة أحنى مالك رأسه قائلاً: – مش عارف يا أبيه حاسس أن ماهيتاب متغيرة معايا ، حاسس زى ما يكون فى حاجز بينى وبينها ، حاولت أتجاوز ده بس الموضوع زاد أوى الفترة دى – زاد إزاى يعنى مش فاهم قالها رفيق بتساؤل فرفع مالك رأسه وهو يقول: – يعنى بقالها فترة قاطعة الكلام معايا أرن عليها متردش ولما كلمتها حسيت لهجتها متغيرة معايا زى ما تكون مش طايقة تتكلم معايا – جايز بس بيتهيألك يا مالك أو تكون تعبانة ومش عايزة تقولك فأقعد معاها وشوف مالها فى ايه واتكلموا مع بعض بهدوء حاول رفيق تصنع الهدوء ، فهو يعلم مدى حب شقيقه لخطيبته ، على الرغم من إعتراضه ببادئ الأمر من خطبتهما ، ولكنه صمت إكراماً لشقيقه ، فهو لا يريد أن يشعر مالك بالحزن ، فهو بإمكانه معرفة معادن الناس بسهولة ، وليس كشقيقه ، الذى دائماً ما تكون العاطفة هى الغالبة على تصرفه فبعد أن إستمعت ماهيتاب للحوار بين رفيق ومالك ، أغلقت الهاتف ، وألقته بجانبها وهى تسترجع من ذاكرتها كل كلمة قالها رفيق ، فهى كأنما إستمعت لصوته هو فقط ________________ هبطت ليان الدرج بعد إنتهاءها من الإستعداد للذهاب إلى الكلية ، فرفيق إستعد هو الأخر ، وهبط للطابق السفلى فى إنتظار مجيئها ، فهى ورهف ستذهبان إلى الكلية بسيارته ، فطارت قدميها وهى تتقدم بخطواتها نحو مائدة الطعام ، فجلست على مقعدها وبدأت تتناول طعامها فرأت رهف قادمة وهى تعبث بيدها داخل حقيبتها فإبتسمت قائلة : – جهزتى السوبر ماركت بتاعك خلاص ، علشان اليوم لو طول قالت رهف بتفكه : – بطمن على كل حاجة أهو استنى باين كان فى ساندوتش بامية هنا راح فين فغر رفيق فاه وهو يقول: – بامية ! أنتى بتهزرى يا رهف أرادت رهف إكمال مزحتها للأخر فقالت : – مالها البامية يا أبيه مش أحسن ما أسيبها تحمض قولت أخدها أكلها أنا وليان فى محاضرتك قهقه الجالسين جميعهم على قولها ، فدمعت عين والدتها من كثرة ضحكها ، فقالت بصوت متحشرج: – الله يسامحك يا رهف هتموتينى يا سوسة تلاعبت رهف بحاحبيها وهى تقول : – سوسة سوسة بس بتحبونى برضه صح يا أبيه – صح يا عيون أبيه قالها رفيق وهو يمد يده يداعب وجنتها ، بل أنه جذب رأسها إليه وقبل جبينها بحنان كعادته ، فظلت ليان تنظر إليه ، فى إنتظار حصتها هى الأخرى من دلاله ، ولكن عيناه أبلغتها صراحة أن دلاله لها لايصح أن يراه أحد ، فكيف له بأن يعانقها أمام أحد ، فإن كان دلاله لشقيقته يقتصر على ضمها إليه بحب وحنان ، فمعها هى سيكون الأمر مختلف حاولت أن تدارى إستياءها منه خلف تلك الابتسامة التى رسمتها على شفتيها ، فأخذت حقيبتها ونهضت من مكانها للخروج ، وقبل أن تصل لسيارته ، وجدت يد تجذبها من مرفقها فشهقت بصوت مسموع ، ولكن تلك اليد التى وضعت على فمها ، منعت صوتها من أن يصل لأحد ٢٤–" عاشق متيم " شهقت ليان بصوت منخفض ، وهى ترى رفيق يسحبها لإحدى الزوايا الهادئة بالحديقة ، فأغمضت عينيها تلتقط أنفاسها التى تناقصت من شعورها بالخوف ، فهى تذكرت تلك المرة ، التى حاول بكر بها إختطافها وعمل رفيق على إنقاذها فوضعت يدها على صدرها وهى تتمتم : – الله يسامحك يا رفيق خضتنى ورعبتنى لاحظ شحوب وجنتيها ، فمد يده ليرفع وجهها له ، فقطب حاجبيه قائلاً بدهشة: – مالك يا ليان خوفتى ليه كده ووشك أصفر تهدل ذراعيها بجانبها وهى ترد قائلة: – أصل لما عملت كده افتكرت لما اللى اسمه بكر ده عمل كده وأنت جيت أنقذتنى فخوفت أخذها بين ذراعيه ، وإستند بذقنه على رأسها مغمغماً: – مش عايز أشوف الخوف على وشك كده تانى ثم مين اللى يقدر يدخل بيتى ويعمل حاجة فى أى حد فيكم دا انا كنت أشرب من دمه إستكانت إليه ، وشعرت بالراحة بين ساعديه ، فربما هى الأخرى صارت تتحرق شوقاً لتصبح جزءًا منه ، إلا انها تذكرت إستياءها منه ، فأبتعدت قليلاً عنه ونظرت إليه بوداعة وهى تقول: – طب طالما خايف عليا كده لما كنا قاعدين جوا زى ما تكون بتهرب منى ومش راضى تبوصلى حتى هزرت مع رهف وأنا لاء قهقه رفيق من قولها ، كإنها شعرت بالغضب من عدم حصولها على دمية أو حلوى كانت تريدها ، فمد أصابعه وداعب وجنتها بلطافة وهو يقول: – أنا مرضيتش أبص ناحيتك لأن لو عينى وقعت عليكى مش هقدر أشيلها ومش بعيد كمان تلاقينى قايم أخدك فى حضنى قدامهم وأنتى حرة بقى تبقى فضيحتنا على الملأ فغرت ليان فاها وهى تشهق ثانية فزوت ما بين حاجبيها قائلة: – إيه اللى أنت بتقوله ده يا رفيق – إنتى قلب رفيق قالها رفيق وأقترب منها يعانقها ، فنسيت ما كان من أمرها ، بل نسيت أيضاً أين كانت هى ذاهبة ، فتيار عارم وجارف من المشاعر جعلها تحلق فوق السحاب من وجودها بقربه فلم ينتهى العناق ، إلا بسماع ليان صوت رهف تناديها ، فأسرعت بدفعه هنا وهى تقول: – رفيق أبعد رهف جاية وهتشوفنا كالمغيب رد قائلاً بصوت متهدج : – بحبك بحبك أوى فعادت وتغافلت ثانية عن الصوت الذى يناديها ، فعبثت أناملها بطرف ياقة قميصه وهى تقول بخجل : – وأنا كمان بحبك ولكن تلك المرة لم تنتظر أن تسمع منه رداً ، بل أسرعت تهرول ناحية رهف ، التى كانت على وشك الاقتراب من سيارة رفيق فخطت رهف بخطواتها تجاهها وهى تقول : – أنتى كنتى فين يا بنتى عماله أدور عليكى وهو فين أبيه رفيق هو كمان انتوا اختفيتوا مرة واحدة ليه كده حاولت ليان إعطاءها جواباً على سؤالها ، فتلعثمت قائلة : – أانا أهو ههروح فين يعنى كنت خارجة أشوف فين عربية أخوكى – تشوفى عربية أخويا ولا تشوفى أخويا نفسه قالتها رهف بدهاء وهى تحاول قمع ضحكتها على كشفها كذبة ليان فما كان من ليان سوى أن وكزتها بكتفها وهى تقول: – بتقولى إيه يابت أنتى أحترمى نفسك رفعت رهف شفتها العليا قائلة: – أحترموا أنتوا نفسكم معاكم سناجل فى البيت الرحمة شوية يا أخوانا أسرعت بإخراج مرآة صغيرة من حقيبتها ، فوضعتها أمام وجه ليان وهى تعقب : – أتفضلى حضرتك أعدلى حجابك اللى قرب يقع من على دماغك ده نظرت ليان بالمرآة ، فجحظت عيناها ولطمت خدها بخفة ،فحجابها مهمل على رأسها ووجهها أحمر من تدفق الدماء به ، عوضاً عن أثر العناق ،الذى ما زالت تحمله هيئتها المشعثة، فأسرعت بتعديل هندامها ، وهى تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها ، خاصة أن رهف كأنها وجدت شئ مسلى وظلت تضحك وتتفكه وتغيظها بمحبة ، فرهف تشعر بالسعادة كون شقيقها الأكبر قد عثر على زوجة وليس هذا فقط بل يبدو أنه مغرماً بها حد النخاع _______________ بصعوبة بالغة إستطاعت سارة إقناع والدتها بالذهاب للمشفى لرؤية أكمل ، فهى أخبرتها بكل ما حدث وتلك الفاجعة التى ألمت به وموت زوجته ، فأرادت الذهاب لرؤيته وإصطحبتها معها ، فهى لن تمكث كثيراً بالمشفى ، بل ستلقى عليه نظرة سريعة هو وإبنته وستذهبان على الفور ، فبعد سؤالها للممرضة عن الغرفة التى يقيم بها حالياً ، كانت تدق الباب وتحمل بيدها باقة من الزهور ووالدتها تسير خلفها ، فعلى الرغم من إعتراضها على ما يحدث ، إلا أنها رغبت بالإطمئنان عليه فولجت سارة الغرفة على إستحياء وهى تقول: – ألف سلامة عليك يا أستاذ أكمل أنت وكنزى إعتدل أكمل بجلسته بعدما رآها ، فإبتسم لها قائلاً : – الله يسلمك يا أنسة سارة أهلاً بيكم اتفضلوا رآت سارة كنزى نائمة على سرير أخر بالغرفة ، فأقتربت منها ومسدت سارة على رأسها وهى تقول: – ألف سلامة عليها هى عاملة إيه دلوقتى رد أكمل قائلاً بهدوء: – الحمد لله بس الدكتور بيديها أدوية وحقن بتخليها تنام علشان متحسش بالوجع لو كانت صاحية كانت هتفرح أنها شافتك أقتربت والدة سارة من فراشه وهى تقول بمواساة : – ألف سلامة عليكم يا بنى والبقاء لله وشد حيلك ربنا يرحم المدام بتاعتك – ونعم بالله أتفضلوا أقعدوا قالها أكمل وهو يشير للمقاعد خلفهما ، إلا أن والدة سارة أبت الجلوس قائلة : – لاء إحنا هنمشى إحنا جينا نطمن عليكم ومش عايزين نتعبكم أكتر من كده وهنسيبك ترتاح عن إذنك يلا يا سارة تركت سارة مكانها بجوار فراش كنزى ، فأقتربت منه قائلة : – ألف سلامة عليك يا أستاذ أكمل ربنا يشفيكم ويعافيكم يارب و الحمد لله أن إطمنا عليكم عن إذنك – تسلموا على الزيارة وشكراً قالها أكمل ومن داخله لاينكر شعوره بالسعادة لمجيئها ، فهو كان يظن أنها لن تأتى لهنا مطلقاً جذبتها والدتها من يدها بشئ من الحزم ، وخرجتا من الغرفة ، ولكنها إلتفتت برأسها تلقى عليه نظرة أخيرة قبل رحيلهما ، فيكفى أنها جاءت لتطمئن على أحواله هو وإبنته ، فهى تعلم أن والدتها لن تسمح لها بالمجئ ثانية ________________ لا تعلم سر رغبتها اليوم فى المجئ لأحد متاجر الثياب ، من أجل شراء قميص لزوجها ، فهى علمت بشأن إقتراب يوم ذكرى ميلاده ، فأرادت أن تبتاع له هدية ، فلم يطرأ على رأسها سوى شراء قميص رجالى ، دار بصرها حول الثياب المعروضة بتركيز ، مدت يدها وأخذت ذلك القميص الكلاسيكى باللون النيلى ، والذى حتماً سيكون رائعاً بعد أن يرتديه رفيق ، خاصة أنه يمتلك جسد قوى ومتناسق يضفى على ثيابه رونق أخاذ ، بإمكانه سلب أنفاسها ، ويجعلها تتمنى لو تلتصق به كثيابه ، فنظرت خلفها وجدت رهف تتحدث مع أحد التماثيل المستخدمة لعرض الثياب فأقتربت منها قائلة بدهشة : – أنتى بتعملى ايه يا رهف بتكلمى التمثال سلامة عقلك يا حبيبتى إبتسمت رهف ببلاهة وردت قائلة وهى تنظر للتمثال : – شايفة المانيكان حلو إزاى يا ليان ، بسم الله ماشاء الله زى نجوم السينما ، بس مش عارفة ايدى بتاكلنى اخده قلمين ليه قالت رهف بتفكير وسرعان ما صفعت التمثال مراراً ولم يكن هو فقط من فعلت به ذلك ، بل كل ما قابلها بطريقها من مجسمات عرض الثياب صفعته سواء على الوجه أو مؤخرة العنق ، ولكنها لم تنتبه أن هناك شاباً يقف بجوار أحد المجسمات فصفعته على مؤخرة عنقه بقوة فإستدار إليها الشاب قائلاً بصياح : – فى إيه يا أنسة أنتى مجنونة ولا إيه أمتقع وجه رهف على الفور ، ولم تكن هى فقط بل ليان فغرت فاها ، بعد إدراكها ما سيحدث لهما بعد خطأ رهف الفادح بصفع الشاب ، حاولت ليان الاعتذار فنظرت إليه قائلة بإستجداء : – أحنا متأسفين جدا هى والله مش قصدها ، هى افتكرتك مانيكان للعرض وهى كانت بتهزر دلك الشاب مؤخرة عنقه ، ويبدو عليه أنه لن يقبل بإعتذارها ، خاصة بعد سماعه صوت ضحكات رفقاءه ، ويبدو عليهم أنهم لن يتركونه ينسى ما حدث ، فصاح الشاب بوجه ليان قائلاً بإستياء : – ويفيد بإيه أسفك دلوقتى أنتى وهى رفعت رهف شفتها العليا وردت قائلة بعدم إكتراث : – عايزنا نعملك ايه يعنى ما أنت اللى واقف وسطهم ، واحنا اتأسفنا خلاص مش حكاية هى ، إيه هتفضل توجع دماغنا ، يلا بينا خلينا نحاسب خلينا نمشى جذبت رهف ذراع ليان لدفع ثمن القميص ، فبعد إنتهاءهما وقبل أن تصلا للسيارة ، وجدتا ذلك الشاب يعترض طريقهما ويبدو على وجهه بوادر الشر ، فحاولتا تجاوزه إلا أنه كان لديه الإصرار على الثأر من رهف ، فحدق بها بشر وقال : – أنتى مفكرة نفسك رايحة فين أنتى عقدت رهف ذراعيها ونفخت بضيق وهى تقول: – إستغفر الله العظيم واللهم طولك ياروح ، ما يلا يا ابنى من هنا الله لا يسيئك بدل القلم اللى خدته على قفاك هتاخد بالجزمة المرة دى على دماغك وصل الشاب لحافة صبره بعد سماع تهديدها له ، فتخلى عن أخلاقه وأراد صفعها على وجهها ، ولكن بلمح البصر إستطاعت رهف ضربه بقدمها فى منتصف بطنه ، ولم تكتفى بذلك بل ضربت رأسه بحقيبتها ، وإستغلت إنشغاله بما أصابه وأخذت ليان وفرت هاربة حتى وصلتا للسيارة الخاصة بهما فبعد أن جلستا بالمقعد الخلفى ، هتفت رهف بالسائق قائلة : – بسرعة بينا يا أسطى على البيت قاد السائق السيارة ، فوضعت ليان يدها على صدرها وهى تقول: – الله يسامحك يا رهف دا أنتى طلعتى بلطجية قهقت رهف وردت قائلة بزهو : – دا أقل حاجة عندى ، ماهو اللى رخم ومصر يجر شكلى ، يلا أخد الشر وراح ، دا انا مجربتش فيه كمان كل حركات الكاراتيه اللى اتعلمتها وأنا صغيرة وكزتها ليان بذراعها وهى تبتسم ، فظلتا تتفكهان بالنوادر حتى وصلتا للمنزل ، فصعدت ليان الغرفة وأرتمت على الفراش وحاولت تنظيم أنفاسها ، كأنها شعرت بإنقباض مفاجئ لا تعلم له سبباً ، فبعد مرور عشر دقائق ، نهضت من مكانها وأخرجت القميص من الحقيبة تلقى عليه نظرة مرة أخرى ، لتتأكد من حسن إختيارها له ، فوجدت رفيق يلج الغرفة بعد عودته من عمله فلم يكن لديها الوقت الكافى لإخفاء القميص قبل أن يراه ، فأختطفه من يدها وهو يقول: – إيه القميص الحلو ده ، اشترتيه لمين ؟ لباسم ؟ حركت ليان رأسها بالنفى وهى تقول بصوت خافت : – لاء أنا أشتريته هدية علشانك أنت ، علشان عرفت أن عيد ميلادك بعد كام يوم ، بس أنت بوظت المفاجئة وضع القميص على الفراش ، ورفع وجهها له قائلاً بإبتسامة: – معلش يا حبيبتى ، عادى خليه معاكى واديهولى يوم عيد ميلادى ، أنا عمرى ما احتفلت بعيد ميلادى بس المرة دى هيكون مختلف علشان أنتى معايا ، وأنتى أحلى هدية ليا من ربنا ما شعرت به من جزع لإفساده مفاجئتها له ، صار الآن بطى النسيان ، فإستطاع برقته وعذوبة كلماته أن ينسيها ما حدث بيومها كاملاً ، حتى أنها لم تتذكر ما حدث بمتجر الثياب ، أرتوت روحها المشتاقة لقربه من فيض مشاعره ، ففكرت كيف سيكون حالها بدون وجودها بين ساعديه أو إستنشاقها عبق رائحته ، فحتماً ستفقد معنى الحياة بدون وجوده وحبه ووعوده التى أغدقها بها ________________ بالملهى الليلى وبأحد الأروقة الداخلية له ، وقفت فوفا مع ذلك الرجل ، الذى عاد يلح عليها ثانية بأن يتمما ما كانا يريدان فعله ، وهو أخذ ذلك الملهى الليلى من فاروق بالحيلة والخديعة ، فأخرج من جيبة ورق كانت عبارة عن تنازل رسمى من فاروق بملكية الملهى لهما فأعطاها الرجل الورقة وهو يقول : – خدى ورقة التنازل أهى عايزك تمضيه عليها ، وبمجرد ما يمضى هيكون الكبارية ده خلاص بقى بتاعنا أرتجفت يدها وهى تمدها لأخذ الورقة منه ، ولكنها لم تستطيع إخفاء شعورها بالخوف وهى تقول: – بس أنا خايفة فاروق ياخد باله ويطربق الدنيا على دماغنا إلتوى ثغره بإبتسامة ماكرة وهو يقول: – وهو هيبقى حاسس بحاجة دا بيبقى مدهول على عينه وهو شارب ومش شايف قدامه ، دا حتى المرة اللى اخدك فيها بيته قولتلى انه صاحى مكنش فاكرك ولا فاكر هو أخدك معاه إزاى أماءت برأسها إيجاباً على قوله ، فهو محق بهذا الأمر ، ولكنها نظرت إليه وتساءلت : – طب أنا همضيه على الورق بصفتها إيه – بصفتها أنها ورقة جواز عرفى ، يعنى لما يسكر وأنتى تحاولى تجرجريه لحد ما تخليه يوافق على جوازكم العرفى وبعد كده تمضيه على ورقة التنازل وكده يا دار ما دخلك شر قالها الرجل بأريحية ، فهو حتى الآن لم يستطيع نسيان خداع فاروق له ، فهو وضع ما كان يملكه عند إفتتاح هذا الملهى ،ليأتى فاروق بعد ذلك ويخبره بأن كل شئ ملك له هو وتركه يعمل بالملهى وهو من كان يحق له إمتلاك نصفه ، فأراد أن يأخذ حقه بالخداع مثلما فعل معه فاروق بالسابق أخذت الورقة ووضعتها بين طيات ثيابها ، وخرجت للصالة ، بحثت عن فاروق وجدته جالساً على إحدى الطاولات بمفرده ، يتجرع الخمر كأس تلو الأخر فأقتربت منه وسحبت مقعد وجلست وهى تقول بغنج : – أنت كنت فين يا فاروق بيه دا انا عمالة أدور عليك من الصبح وضع فاروق الكأس من يده قائلاً: – وبتدورى عليا ليه خير – أصل كنت جاية أستأذنك فى زبون حابب أقضى معاه كام يوم فى الساحل ، فجيت أشوف رأيك إيه قالتها بغنج ودلال ظاهر ، فتأمل هيئتها وثوبها الفاضح ، فسال لعابه ، فرفع الكأس لفمه وتجرع ما به دفعة واحدة وهو يقول بثغر ملتوى : – وماله ميضرش طالما الموضوع فيه قرشين حلوين بس قبل ما تطلعى الطلعة بتاعتك دى وتروحى تعومى فى الساحل عايزين نعوم هنا الأول أنا وأنتى ضحكت ضحكة صاخبة وهى تقول: – بس كده يا فاروق بيه يلا بينا نهضت من على مقعدها ، ومدت يدها له ، فشعرت بإهتزاز يده ، فربما بدأ مفعول الخمر وسيجعله لا يعى ما يفعله ، فتلك هى فرصتها السانحة لإتمام مخططها ، فحاوط فاروق كتفيها وهو يسير بجانبها يتمايل جسده بغير إتزان وهو يضحك بصوت عالى ، كأنه يرى أطياف وأشياء لا وجود لها _________________ بالقاعة الدراسية كانت ليان ورهف تجلسان بإنتباه أثناء المحاضرة ، يدونان ما يقوله المحاضر ، فرفعت ليان هاتفها لترى كم تبقى من الوقت لإنتهاء تلك المحاضرة ، فالمحاضرة التالية سيكون المحاضر بها هو رفيق ، فتعجبت كيف أصبحت تنتظر مجئ المحاضرة الخاصة به بكل ذلك الشوق ، وهى من كانت لاتريد رؤية وجهه ، فربما فعل بها الحب أفاعيله ، وجعل النفور والكره حباً وهياماً أنتهى الوقت فشبكت رهف اصابعها وهى تمط ذراعيها قائلة : – الحمد لله المحاضرة خلصت على خير أيدى أتكسحت من كتر الكتابة – معكيش لبان يا رهف قالتها ليان وهى تلملم كتبها للخروج حتى مجئ موعد محاضرة زوجها ففتشت رهف بداخل حقيبتها وأخرجت لها العلكة المفضلة لها ،فأخذتها منها وهى بطريقها للخارج ، فلم تنتبه لمجيئه فإصطدمت به فشهقت ليان بخفوت وهى تقول: – أسفة يا دكتور رفيق ما أخدتش بالى تصنع رفيق الجدية قائلاً: – ولا يهمك بس رايحين فين كده ردت رهف قائلة : – قولنا نخرج نقعد برا شوية على ما تبدأ المحاضرة وناكل حاجة نظر لهما رفيق قائلاً بتحذير لطيف: – ماشى بس متنسوش نفسكم وتنسوا المحاضرة وإلا مش هدخلكم مفهوم تبسمت ليان بخفوت وهى تقول: – لاء أنت قلبك طيب وهتخلينا ندخل مش كده يا دكتور رفيق فما سيقول بعد إبتسامتها تلك ، فهى بدأت بسلبه حق الرفض والاعتراض ، فحورية صغيرة جعلت قلبه يهوى خضوعه لعشقها كأسير لا يريد فك قيود أسره ، بل يرغب بأن يظل أسيرها فحمحم يجلى صوته قائلاً برصانة : – يلا بسرعة ومتتأخروش مش هقول تانى تركهما ورحل ، فإن ظل يتحدث معهما لن يفعل شيئاً بيومه ، فإلتفتت ليان تنظر إليه ، ولكن عبست بوجهها وهى ترى إحدى الطالبات إستوقفته لتتحدث معه ، ولم تكن تلك الفتاة إلا إحدى الفتيات الثلاث ، اللواتى كن يمكثن معها بالغرفة بالمدينة الجامعية ، فهى تعلم كيف كن يتغزلن به و بوسامته ، وإستمعت إليهن مرة بأنهن لا يحضرن المحاضرة إلا من أجل رؤيته فقبل أن تذهب إليهما ، سحبتها رهف من مرفقها وخرجتا من مبنى الكلية للساحة الخارجية ، فجلست ليان على الدرج الرخامى حتى تعود رهف ، التى ذهبت لشراء طعام لهما ، فكم رغبت بأن تعود للداخل وترى هل زوجها مازال يتحدث مع تلك الفتاة أم غادر ، فزاد فضولها لمعرفة عما كانا يتحدثان ، فهى لم تعد تسيطر على تلك النيران التى شبت بقلبها من شعورها بالغيرة _________________ تقاذفته الأفكار فى أن يذهب إليها ليراها ، فمنذ ذلك اليوم الذى رأها به وعلم أنها أصبحت زوجة رجل أخر ، وهو لم يرى وجهها ثانية ، فوجد نفسه ذاهبا إلى كليتها ، يريد أن يعلم هل هى حقاً وافقت على زواجها بمحض إرادتها أم كانت كارهة له وتزوجته تحت ضغط من جدتها قبل دلوفه لمبنى الكلية ليبحث عنها ، وجدها تجلس على الدرج الرخامى ، فهو لم يشأ أن يهاتفها وربما تأبى الرد عليه ، ففضل البحث عنها بنفسه فاقترب منها يحاول رسم إبتسامة على شفتيه لم تصل الى عينيه وهو يقول : –:" ازيك يا ليان أخبارك إيه" أنتفضت ليان بعد سماع صوته ، فهى كانت شاردة ولم تنتبه على قدومه ، فردت قائلة: –:" الحمد لله اهلا يا ماجد اخبارك ايه" جلس ماجد بالقرب منها قائلاً بفتور : –:" الحمد لله أنا كنت عايز اتكلم معاكى يا ليان" نظرت إليه ليان قائلة باهتمام: –:" خير فى حاجة ولا ايه" نظر ماجد أمامه وهو يقول: –:" كنت عايز اعرف ايه سبب جوازك يا ليان معقولة مكنتيش حاسة بحبى ليكى" رفعت ليان كف يدها ، علامة على أنه يجب أن يتوقف عن زيادة كلمة اخرى ، فهى الآن ليست بحال يخولها ان تسمع منه تصريح بالحب فردت قائلة بهدوء : – :" بس يا ماجد متكملش انا دلوقتى واحدة متجوزة ومينفعش تقولى كده" عقد ماجد حاجبيه قائلاً: –:" بالبساطة دى يا ليان" أماءت ليان برأسها وهى تقول: –:" ايوة يا ماجد مينفعش تقولى كده وانا دلوقتى على ذمة راجل وشايلة إسمه ومحبش أن أخون ثقته فيا" رفع ماجد حاجبه الأيسر قائلاً: –:" يااا انتى حبتيه بقى يا ليان" هزت ليان رأسها علامة الموافقة ، فكأنها كانت اشارة الارتياح للتخلص من وهم حب الطفولة ، فهى لن تناضل وتقاوم احساسها نحو رفيق بعد الآن ، فيكفى ما تراه و يجعل قلبها يكاد تنخر به الغيرة من رؤية بعض الطالبات يتكلمن معه او يبتسمن له ، فهى لن تستطيع كتمان أمرها اكثر من ذلك فضمت يديها وهى ترد قائلة: –:" انت يا ماجد هتفضل ماجد اللى اتربينا سوا وهيفضل له مكانة عندى مكانة الأخ او الصديق مش أكتر من كده" تبسم ماجد قائلاً بسخرية حزينة : –:" اخ وصديق هى دى اخرتها يا ليان" أحنت ليان رأسها وهى تنظر للأرض قائلة : –:" أنا أسفة يا ماجد كل شئ نصيب وأنت نصيبك لسه هيجيلك وهتكون أحسن من أى واحدة اتمنيتها" نهض ماجد من مكانه وهو يقول: –:" على العموم ربنا يسعدك يا ليان عن اذنك" رحل ماجد فكان ذهابه مؤذناً برحيله الدائم عن عالمها ، ذلك العالم الذى اصبحت لا ترى فيه سوى وجه رجل واحد ، وبات قلبها يردد اسم واحد فقط ، وهو اسم ذلك الرجل ، الذى ارتبطت به برابط الزواج الأبدى فبأثناء مروره رأها تجلس برفقته ، ولكن ماجد رحل قبل إقترابه منهما ، فظل قلبه يخفق وينبض بغيرة عاصفة ، ولم يكف عن النبض والخفقان ، فكل خفقة تستجدى منه قرب تلك الحورية الصغيرة وأن لا يجعل أحد أخر يقترب منها فكادت قدميه تحمله على الرحيل ، حتى يتسنى له أن يتحدث معها فى المنزل بحرية ، إلا أنه رأى ذلك الرجل المدعو فاروق يقترب منها فماذا يريد منها هو الأخر ؟ ولماذا أتى اليها ؟ فقبل أن يحث الخطى على الاقتراب منهما إستوقفه صوت أحد زملاءه ليخبره بشأن أمر هام نظرت ليان لساعة هاتفها ، لترى كم الساعة الآن ؟ فرهف تأخرت كثيراً ، فهى ذهبت لتجلب بعض الطعام و المشروبات الا انها استغرقت وقتا اكثر من المعتاد رفعت رأسها وجدت ذلك الرجل ينظر اليها ، فعقدت حاجبيها بتعحب من حضوره الى هنا ، فهتف بها فاروق بوداعة مصطنعة : –:" ازيك يا ليان يا بنتى" ردت ليان قائلة: –:" الحمد لله نحمد ربنا" ومن ثم خاطبت نفسها وهى تقول : –:" هى ايه الحكاية النهاردة كلهم جايين ليه" أطرق فاروق برأسه أرضاً وهو يقول : –:" أنا كنت جايلك فى حاجة ضرورى أوى" قالت ليان بإهتمام : –:" خير ان شاء الله فى إيه" رفع يده كأنه يزيل دمعة فرت من عيناه وهو يقول بإستجداء : –:" أمك تعبانة أوى ونفسها تشوفك يا ليان مفيش على لسانها الا عايزة اشوف ليان عايزة أشوف ليان وهى دلوقتى مستنياكى تروحى تشوفيها أنا عارف أن العلاقات بينكم مش كويسة بس هى فى الأول والأخر أمك وخايف تجرالها حاجة قبل ما تشوفك" جف حلقها وهى تقول: –:" مالها ماما تعبانة فيها ايه" رد فاروق قائلاً: –:" وقعت من طولها مرة واحدة وهى دلوقتى تعبانة اوى يا بنتى تعالى شوفيها" على الرغم من توتر العلاقة بينها وبين أمها ، إلا أنها شعرت بالخوف ، منذ أن سمعت بأنها مريضة ، فوجدت نفسها تذهب معه سريعاً إلى سيارته ، لتذهب وترى أمها ولا تعلم انه فخ نصبه لها صياد دنئ ماكر خبيث بعد أن أنتهى من الحديث مع زميله ، رآى سيارة فاروق تعبر البوابة الرئيسية للشارع ، فوجد نفسه يستقل سيارته يتبع تلك السيارة التى تقبع بها زوجته فإلى أين ياخذها هذا الرجل ؟ صف فاروق السيارة أمام احد البنايات السكنية الفخمة ، فترجل فاروق من السيارة تبعته ليان ، إلى احدى الشقق فهى لا تعلم أين تقيم أمها مع ذلك الرجل ، فبعد صعودهما للشقة بالمصعد الكهربائى ، وولجت للداخل تنظر حولها فنظرت إليه وتساءلت : –:" هو انتوا ساكنين هنا" رد فاروق قائلاً بإبتسامة شيطانية : –:" ايوة ساكنين هنا يا حلوة" ازدردت ليان لعابها ، من تحول صوته من الوداعة لنبرة صوت خبيثة ، فشعرت بالخوف يقبض على قلبها فأرتدت بخطواتها للخلف وهى تقول بخوف: –:" هى ماما فين" ضحك فاروق وقال : –:" ماما زمانها جاية يا حلوة متخافيش" أقتربت ليان من باب الشقة وقالت : –:" أنت قصدك إيه أنا عايزة امشى من هنا" قبض فاروق على ذراعها وهو يقول ببرود: – :" هو دخول الحمام زى خروجه يا حلوة أنسى أنك تمشى من هنا" افلتت ذراعها من بين يده ، تبتعد إلى أحد أركان الشقة ، تكاد تنهار من شدة خوفها ، فدموعها تغزو عينيها بقوة ، تحاول ان تستجديه ان يتركها تذهب من هنا – :" الله يخليك خلينى امشى من هنا" فرك فاروق يديه بحماس وهو يقول: –:" اخليكى تمشى دا انا ما صدقت جبتك هنا" قالت ليان بأمل : –:" جوزى مش هيسيبك فى حالك" ألتوى ثغره متبسماً بسخرية فقال : –:" دا لو عرف يوصلك بقى أصل أنا ناوى أبيعك يا قطة" ردت ليان قائلة بصدمة : –:" تبيعنى ! يعنى إيه مش فاهمة" وضع فاروق يده بجيبه وهو ينظر لها بتقييم : –:" ايوة هبيعك والصراحة أنا أخدت مقدم من تمنك دا انتى هيندفع فيكى كتير أوى يا ليان وان كان على جوزك مش هيعرف يوصلك لانك النهاردة بالليل هتكون مسافرة برا مصر" رسم لها مصيرها الاسود ، فظلت تحرك راسها يميناً ويساراً ،كأنها تريد نفض تلك الافكار عنها ، فهى كل ما تفكر به الآن ، أن هذا اليوم لن يمر هكذا ، فربما هذا اليوم هو الفيصل فى حياتها بأسرها وجدت زجاجة من الخمر ، فقامت بكسرها و أخذت قطعة من الزجاج تضعها على معصمها ، فهى تفضل ان تنهى حياتها بيدها قبل ان تنتهى على يد ذلك الخبيث فنظرت إليه قائلة بتهديد : –:" افتح الباب بقولك" لم يعر تهديدها أهمية ، بل أنه رد ببرود قائلاً : –:" أرمى البتاع ده من ايدك يا حلوة مش هينفعك اللى بتعمليه ده" أعادت تهديدها ثانية قائلة بإصرار : –:" لو مفتحتش الباب حالاً هموت نفسى" –:" مش هتقدرى تعمليها يا ليان" قالها فاروق وهو ينتوى الإقتراب منها ،فبدأت تنخر معصمها بقطعة الزجاج ، فأنفجرت منه الدماء ، وهى تبتلع ريقها فحلقها أصابه جفاف شديد ، فخرت ساقطة على الأرض هربت الدماء من عروقه , وهو يراها ملقاة على الأرض ، فماذا يفعل هو الآن ؟ وجد نفسه يفر هارباً ناحية الباب ، وما أن فتحه ، حتى رأى رفيق على الباب ينظر اليه بنظرات تكاد تحرقه حياً ، فقبض على ثيابه ، ودفعه بقوة وأرداه أرضاً ينفث فيه كامل غضبه فصرخ بوجهه وهو يقول: –:" ليان فين انطق" قبل ان يجيبه ، لمحها ملقاة على الأرض بمنتصف الصالة ، تغطى الدماء معصمها الأيسر وفاقدة الوعى ، تعاظم الخوف بداخله وهو يراها مسجاه بدماءها فأقترب منها بلهفة ، يسبقه قلبه قبل قدميه ، فحاول تحريك جسدها الذى اصبح بارداً كالموتى فناداها بخوف شديد : –:" ليان ليان ردى عليا ، حبيبة قلبي ردى" لم ينتظر ثانية اخرى ، فحملها بين ذراعيه يسرع بخطواته حتى وصل لسيارته ، فقادها ليذهب إلى اقرب مشفى لاسعافها ، فقاد السيارة بسرعة جنونية ، فربما إن تأخر دقيقة أخرى ، ستلقى تلك الفتاة حتفها حتماً فحمد ربه على وصوله المشفى ، وقام باخراجها من السيارة يحملها يهرول بها سريعاً الى الداخل يصرخ بجنون لعل احد ينقذها –:" أرجوكم حد يلحقنى بسرعة" تلقاها منه بعض الممرضات ، وذهبوا بها سريعا الى الغرفة ، التى سيتم فيها انقاذها ، فظل يدور حول نفسه كالمجنون ، فهى ربما تنازع الموت الآن ، وكل هذا بسبب ذلك الرجل ، الذى توعد له اشد الوعيد ولكن عليه أولاً الاطمئنان على زوجته دقائق تمر تصيبه بالخوف أكثر فأكثر ، حتى وجد ممرضة تخرج من الغرفة وهى تهرول ، فأستوقفها قائلاً بلهفة : – أرجوكى طمنينى هى عاملة إيه دلوقتى ٢٥– " ثأر صغيرته " انتظر أن تجيبه الممرضة على ما سألها إياه ، فهو يريد أن يبعث به أى أحد الأمل ، من أنها ستكون بخير ، وأن يطمئن قلبه على تلك الفتاة ، التى ترقد بالداخل ، وكأن ما يرقد قلبه فهى حقاً اصبحت قلبه النابض بالحياة ، فاليوم كان يضع مخططه لاخبارها بحل اللغز ، فهو كان سيجعلها تعترف بما تكنه له فى قلبها مراراً وتكراراً ، فكان عازماً على أن يبدأ حياتهما سوياً ، وأن يحيا معها تلك الحياة التى كان يرسمها بمخيلته منذ أن رأها ، وأن تصبح زوجته بصورة فعلية و ينجب منها أطفالاً ، يرثوا ذلك الجمال والعناد والتمرد الذى لم يزيد قلبه إلا تعلقا بها فعاد من جديد يسألها بلهفة عما ألت إليه أمور معشوقته : – :" أرجوكى طمنينى هى عاملة ايه دلوقتى" إبتسمت الممرضة بهدوء وردت قائلة: –: الحمد لله ربنا كتبلها عمر جديد وهتبقى كويسة إن شاء الله ملأت السعادة جنبيه فهتف قائلاً: –:" الحمد لله الف حمد وشكر لك يا رب طب ممكن أشوفها" أماءت الممرضة برأسها وهى تقول: – إن شاء الله شوية كده و تشوفها لما الدكتور يخرج من جوا ونوديها الأوضة اللى هتقعد فيها وألف سلامة عليها مرة تانية شكرها رفيق بل أنه أخرج كل النقود التى كانت بجيبه ، فوضعها بيدها شاكراً إياها ، فنظرت الممرضة للنقود بيدها بشئ من الذهول ، فمن يدفع مبلغ كهذا من أجل الإطمئنان على مريض ، فلابد أنها فتاة ذات قيمة لديه ، فوضعت النقود بجيبها وتبسمت له ورحلت من أمامه ، بينما هو رفع كفيه يحمد الله على نجاتها ، وأرتمى بعد ذلك على المقعد وهو يزفر بإرتياح ، فلو كان أصابها مكروه ، لم يكن يعلم ما سيصيبه حينها ، فليس بعد أن وجدها ، تذهب هكذا من بين يديه ، فالله قد من عليه اليوم وأعادها إليه فبعد أن تم نقلها لإحدى غرف المشفى ، دلف رفيق الى الغرفة وجدها تتوسط الفراش بوجه شاحب ، يسمع صوت انفاسها المنتظمة ، فهى الآن بعالم اخر فجلس بجوارها يمرر يده على وجنتها بحب قائلاً: –:" بعد الشر عليكى يا قلب رفيق انا ليا حساب مع الكلب جوز امك ده والله لاندمه ندم عمره ان فكر يأذيكى أو قرب منك ومبقاش رفيق رسلان الا لو وديته فى ستين داهية " نظر لمعصمها الملفوف حوله ضماد أبيض ، فأخذ يدها بين كفيه وقبل ظاهرها وباطنها ، يضغط عليها برفق ، وأنزلقت دمعة من إحدى عينيه وهو يقول: – أنتى عارفة يا ليان لو كنتى روحتى منى ، كان جرالى حاجة أنتى متعرفيش أنتى بقيتى إيه بالنسبة ليا أنتى روحى وأنتى عمرى وفرحتى اللى جت ليا بعد سنين ظل يحدثها بما في قلبه ، وهو جالساً على المقعد بجوار الفراش ، فتارة يمسد على وجنتها ، وتارة أخرى يقبل رأسها ، فهو ينتظرها أن تفيق فأعتصرت ليان جفنيها بألم ، فهى تشعر بثقل برأسها ، وبالخدر فى أطرافها ، ولكن إستطاعت بجهد إبتلاع لعابها وهى تقول بصوت واهن : – رفيق سمعها تناديه ، فرد قائلاً بلهفة وهو يقترب بوجهه منها ويمسد على رأسها : – نعم يا قلب رفيق حاسة بإيه يا حبيبتى أغلقت عينيها كأنها تشعر بحرق بجفونها ، وربما ذلك عائد لتلك الدموع ، التى بدأت تتجمع بمآقيها ، فبكت رغماً عنها وخرج صوتها متحشرجاً بألم : – كان عايز يبعنى يا رفيق هو قالى كده وأنه قبض تمنى كمان كانوا هيبعدونى عنك أقترب رفيق أكثر من الفراش ، ورفع ذراعه يحيطها به ، يقربها منه كأنه يريد إدخالها بين أضلعه ، فقبل جبينها وهو يقول: – محدش يقدر يبعدك عنى يا قلبى اطمنى وإن كان على اللى عمله جوز أمك والله ما هسيبه فى حاله وهدفعه التمن غالى ألقت برأسها على ذراعه وأقتربت منه أكثر ، فمازال خوفها متملكاً من حواسها ، فتريد أن تشعر بالأمان بإقترابها منه وسماع صوته ، فظل يهدهدها ويهمس بأذنيها ليشعرها بالأمان والطمأنينة ، حتى سمع صوت إنتظام أنفاسها ثانية ، فوضع رأسها على الوسادة ، وخرج من الغرفة ، فأوصى إحدى الممرضات أن ترعاها حتى يعود ، فهو لديه مهام أخرى سيؤديها ويعود إليها ثانية _______________ يرتجف بدنه من الخوف ، فهو منذ هروبه من تلك الشقة ، بعد عراكه مع رفيق ، ورؤية ليان مسجية بدماءها ، وهو لا يعلم ماذا يفعل ؟ فكلما تصور أن ليان ربما تلقى حتفها وينتهى به الأمر بالزج فى السجن ، يتملك الخوف من قلبه أكثر فأكثر فعاد للملهى الخاص به ، فالوقت مازال باكراً على توافد الزبائن ، فالعاملين فقط هم المتواجدين ، ويعملون على الاستعداد للعمل ، ولج فاروق غرفة مكتبه بالطابق الثانى وماكاد يجلس على مقعده خلف المكتب ، حتى رآى الباب يفتح ويلج ذلك الرجل الذى تم الاتفاق بينه وبين فوفا على الاستيلاء على الملهى فصاح به فاروق قائلاً بصوت جهورى : – أنت ايه اللى جابك هنا دلوقت يلا أمشى غور على الصالة تحت – لاء دا أنت اللى هتغور من هنا خالص يا فاروق قالها الرجل ببرود ، وجلس على المقعد أمام المكتب واضعاً ساق على الأخرى فأنتفض فاروق من مكانه ، وأقترب منه وقبض على ثيابه وجذبه حتى وقف أمامه وهو يصرخ بوجهه: – أنت أتجننت ياض أنت ولا إيه يلا غور أنا مش فايقلك أزاح يديه القابضة على ثيابه ، فإلتوى ثغره بإبتسامة ساخرة وهو يقول: – لاء ما اتجننتش يا فاروق خلاص المحل ده كله بقى بتاعى وكله بالقانون أنت زمان ضحكت عليا وخدت القرشين اللى حيلتى ونصبت عليا بس دلوقتى أخدت المحل وهنصفى حسابنا مع بعض أخرج الرجل من جيبه ورقة التنازل الخاصة بالملهى ، فأخذها فاروق يمعن النظر بها ، فأتسعت مقلتيه مما يقرأه ، فأراد تمزيق الورقة فضحك الرجل قائلاً : – قطعها يا فاروق دى نسخة من التنازل مش الأصل عبيط انا علشان اديك الأصل تقطعه أثارت ضحكته جنون فاروق ، فنشب بينهما عراك وشجار ، وبدأ كل منهما فى محاولة منه للنيل من الاخر ، ولكن قبل أن يتأزم الأمر أكثر ، رأى فاروق رجال الشرطة يطوقون المكان فتقدم منه شرطى شاهراً س\لاحه النارى بوجهه قائلاً : – سلم نفسك يا فاروق أنت مطلوب القبض عليك نظر فاروق خلف الضابط وجد رفيق ينظر له بتحدى سافر ، فتصنع الجهل قائلاً : – مطلوب القبض عليا ليه هو أنا عملت إيه – حاولت تخطف مراتى وكنت ناوى تتاجر بيها وخليتها كانت هتنتحر دا غير البلاوى التانية اللى مستنياك والاعمال الغير مشروعة اللى كنت بتعملها لم يعد لديه منفذ أو مهرب ، فالضابط أسرع بوضع الأصفاد الحديدية بيديه ، ودفعه ليتقدمه بالمسير ، فمر فاروق بجوار رفيق فنظر إليه رفيق بعمق ونظرة نارية وهو يقول: – هدفعك تمن اللى عملته فيها غالى قبل أن يتمكن فاروق من الرد على ما قاله رفيق ، كان الشرطى يدفعه ليكمل سيره ، شعر رفيق بالراحة من أنه حرص على التخلص من شرور ذلك الرجل ، فبعد إلقاء القبض على فاروق ، عاد رفيق للمشفى ثانية _______________ ولج رفيق الغرفة وهو يحملها بعد جلبه لها من المشفى ، تريح هى رأسها على منكبه العريض ، وتحيط عنقه بذراعيها ، تغمض عينيها تشعر بالراحة من وجوده قريباً منها ، فوضعها بالفراش ، ورآى والدته ورهف وباسم يدلفون الغرفة لرؤيتها ، فهو لم يخبرهم بشأن ماحدث لها إلا وهو عائداً بها للمنزل فأقتربوا ثلاثتهم منها بخوف ولهفة وكل منهم يسرع بسؤالها عما حدث لها فجلست والدته بجوارها وضمتها إليها قائلة : – بعد الشر عليكى يا حبيبتى وألف سلامة كده يا رفيق متقولناش على اللى حصل إلا وانت راجع بيها كده دلك رفيق مؤخرة عنقه بإرهاق وهو يقول: – محبتش أخضكم يا أمى لأن عارف أنكم كنتوا هتصمموا تروحوا ليها المستشفى فأخذت رهف دورها بالتعبير عن خوفها لصديقتها ، فجلست على الجانب الاخر من الفراش وهى تحتضنها بحب وقالت : – ألف سلامة عليكى يا ليان أنا لما شوفتك كده خوفت عليكى أوى والله تبسمت لهما ليان وهى تقول : – ربنا ما يحرمنى منكم ابدا يارب فنظرت لشقيقها الذى يحاول أن يكبت دموعه ، فأشارت له بالاقتراب ، فتركت رهف مكانها لتسمح له بالجلوس بجانبها ، فأنهار باسم بين ذراعيها باكياً بصوت مسموع وهو يغمغم : – ازاى ده حصل يا ليان بعد الشر عليكى مازال جسده يرتجف من أثر بكاءه وهى تضمه إليها وتربت عليه ، لعله يهدأ ويكف عن البكاء كالطفل الصغير الذى يبكى من أجل والدته ، فقبلت رأسه وهى تقول: – إهدى يا حبيبى بالله عليك أنا كويسة أهو قدامك فمتعيطش يا باسم بس يا حبيبى لم تأتى محاولتها لتهدئته بأى نتيجة ، فما كان من رفيق سوى جذبه إليه حتى إستقام بوقفته ، فقربه منه وهو يربت عليه قائلاً : – خلاص يا باسم أهدى اختك الحمد لله كويسة وطول ما أنا عايش مش عايزكم تخافوا من حاجة ويلا روح أغسل وشك امتثل باسم لأمره وخرج من الغرفة ، فنهضت والدته وهى تقول: – أرتاحى أنتى دلوقتى يا ليان على ما هروح أعملكم حاجة تاكلوا يلا يا رهف علشان تساعدينى ردت رهف بتفكه كالعادة : – المساعد ربنا يا حاجة مش حمل فرهدة فى المطبخ أنا هقعد انا وليان نرغى وناكل لبان ناداها شقيقها قائلاً : – رهف علمت هى مغزى نداءه لها ، فإبتسمت له قائلة: – إما كنتش تحلف بس يا أبيه يلا بينا يا مامتى إبتسم بخفوت على قولها ، فمدللته لن تغير من سلوكها الممازح أبداً ، فبعد خروج والدته وشقيقته ، جلس على طرف الفراش مقابل لها ، فتلاقت أعينهما بحوار صامت ، فبعد إكتفاءه من الصمت ، رفع يده يتلمس وجنتها بحنان وهو يقول: – حاسة بإيه دلوقتى يا حبيبتى لسه جرح إيدك بيوجعك حركت رأسها وهى تقول: – شوية بس أحسن من الاول قبل أن يعمل على سحب يده ، رفعت هى يدها ووضعتها عليها وقربتها من فمها تقبل باطنها وهى تقول بحب : – شكراً يا حبيبى على كل حاجة ربنا ما يحرمنى منك ابدا يارب ، كل مرة كنت بقع فى مشكلة بسبب عدم تفكيرى ، كنت أنت بتنقذنى ، عارفة أن غلطت لما سمعت كلام جوز ماما ورحت معاه من غير ما اقولك بس والله افتكرت ماما كانت تعبانة بجد وعايزة تشوفنى ، بس خلاص حرمت مش هعمل حاجة تانى من غير ما أقولك أسرته بفعلتها وكلماتها الرقيقة ، فما كان منه سوى أن أخذ كفيها بين يديه ، ومن ثم وضعهما على صدره موضع فؤاده وهو يقول: – الحمد لله عدت على خير يا حبيبتى ، أنتى حاسة بدقات قلبى دى ، كانت هتقف من الخوف عليكى لو كنتى روحتى منى ، ليان أنا عايز نتجوز من أول وجديد وأعملك فرح كبير ، فرح يليق بيكى يا حوريتى بس تخفى بسرعة وكمان نشوف هيعملوا ايه مع جوز مامتك بتذكرها فاروق ، اغتمت ملامحها ، فهى لا تريد تذكره ولا تذكر ما حدث ، فرفيق أخبرها بشأن القبض على زوج والدتها ، فشعرت بالراحة كونه سينال جزاءه جراء فعلته ، ظلا يتحدثان حتى وجدا رهف تلج الغرفة تحمل لهما الطعام ، فتركت الصينية وغادرت فوضع رفيق الطعام أمامها قائلاً بحزم : – يلا علشان تاكلى يا حبيبتى ، ومش عايزك تقولى لاء أنا مش جعانة ماشى هزت رأسها وقالت بطاعة : – حاضر هاكل بعد أنتهاءها من تناول طعامها ، وجدت مازال جالساً بجوارها ، فأستلقت على الفراش واضعة رأسها على ساقه ، وعادت من جديد تتذكر ما حدث معها ، فدمعت عيناها ولكن حرصت أن لا يعلو صوت بكاءها ، فيكفى ملمس كف يده الدافئ وهو يمرره على وجنتها وبين خصيلاتها ، علاوة صوته الهادئ ، الذى راح يدوى اصداؤه بأذنيها وهو يهدئ من روعها ، محاولاً أن يصرف عنها شعورها بالخوف ______________ أستند أكمل بثقل على عصا يستخدمها للمشى ، حتى يتماثل للشفاء بشكل نهائى من تلك الكسور ، التى ألمت بجسده من جراء الحادث ، فهو يحمد الله على نجاه ابنته ، فلو كان أصابها مكروه ، ربما كان سيفقد رغبته بالحياة ، نظر الى ذلك القبر الذى يضم جسد زوجته ، التى قضت على حياتها بسبب تهورها فندت عنه زفرة مرتجفة يتبعها نهدة حارة ، ودمعة فرت من عينيه ، فحاول أن يسيطر على إرتجاف صوته وهو يقول: –:" الله يرحمك يا شهيرة ، متفتكريش أن مش زعلان على موتك ، كان نفسى تكون ليا الزوجة اللى كنت بتمناها ، وجايز أنا كمان مذنب زيك ، بس ربنا يشهد أن أنا حاولت أن حياتنا تبقى كويسة بس للأسف كنت لما أقرب منك خطوة تبعدى عشرة ، بس استفدتى ايه يا شهيرة من اللى عملتيه خسرتى حياتك ربنا يرحمك ويغفر لك" بعد ان تم دعاءه لها بالرحمة والمغفرة ، عاد للسيارة ثانية ، فأسرع السائق بفتح الباب الخلفى له ، فهو وظف سائق لديه ، لأنه لن يقوى على قيادة سيارته بالوقت الحالى ، فجلس بإرتياح بالمقعد الخلفى ، فأشار للسائق بالذهاب للمشفى ، الذى مازال يرقد به عامر الرفاعى والد زوجته فقاد السائق السيارة حتى وصل للمشفى ، فترجل أكمل منها بحرص ، وولج للداخل حتى وصل لتلك الغرفة التى يقبع بداخلها عامر فطرق الباب وأدار مقبضه ، نظر بداخل الغرفة ولكنه وجد الفراش خالياً ، فأستوقف إحدى الممرضات ليسألها عن والد زوجته فهتف بها بتساؤل : – لو سمحتى المريض اللى كان هنا راح فين نظرت الممرضة إليه وردت بهدوء : – البقاء لله أتوفى الفجر وجم قرايبه أستلموه نطق أكمل بصدمة: – مات أماءت الممرضة برأسها وهى تقول: – أيوة بعد ما كانت حالته إستقرت شوية جاتله أزمة قلبية حادة وأتوفى الله يرحمه غادرت الممرضة بعدما قالت ما لديها ، فلم يحتمل أكمل الوقوف كثيراً فجلس على أقرب مقعد وجده ، فأستند بيديه على عصاه وأحنى رأسه عليهما وهو يبكى بصمت ، فبعد أن أخذ كفايته من الجلوس ، هب واقفاً ليخرج من المشفى ، فعاد لسيارته ، وأنطلق عائداً لبيته ، فقبل أن يلج للداخل وجد سيارة أجرة تقف أمام المنزل ، فترجل من سيارته ، وألتفت خلفه وجدها تقف بجوار السيارة ممسكة بيد طفلته فابتسم ابتسامة خفيفة لها فهى عندما علمت بالحادث الذى ألم به وبطفلته هرولت سريعاً الى المشفى لتكون بجواره بتلك المحنة ، فتعلقت الصغيرة بها أكثر من شدة عنايتها بها ، فربما كانت كنزى أكثرهما حظاً بالشفاء سريعاً من ذلك الحادث الأليم فتقدمت صغيرته منه ببطئ ، فساقيها مازالتا بحاجة لمزيد من الوقت ، حتى تلتئم وتعود مثلما كانت ، فسارة أخذت على عاتقها مهمة ذهابها بها للمعالجة الفيزيائية ، حتى تلتئم كسور جسدها سريعاً فنظر أكمل إليها شاكراً صنيعها وهو يقول: –:" شكرا يا سارة على أنك واخدة بالك من كنزى وبتراعيها" أقتربت سارة خطوتين ومدت يدها تداعب رأس الصغيرة قائلة: –:" متقولش كده كنزى فى عينى وربنا يتم شفاكم على خير يارب" –:" وكنزى محتاجة أم محتاجة أم بمعنى الكلمة يا سارة" قالها أكمل فجأة ، فإستحال وجهها للون الأحمر ، فربما هو عاد راغباً فى الزواج منها ثانية فأولته ظهرها وهى تقول محاولة الفرار من أمامه : –:" لو أنت لسه عند وعدك أنا ممكن اكون الأم دى" لم تنتظر دقيقة أخرى ، بل أسرعت بالابتعاد قبل سماع رده ، فتجدد الأمل بداخله ثانية ، فهى تصرح له الآن بأنها راغبة فى تأدية هذا الدور لتلك الطفلة ، وهو لم يكن أحمق ليضيع من يده تلك الفرصة التى أتته بعد عناء ______________ إستطاعت ليان تجاوز محنتها التى ألمت بها مؤخرًا ، وبعد إمتثالها للشفاء ، أصرت على زوجها بالذهاب للمحكمة ، فهى علمت بموعد الحكم على زوج والدتها ، الذى كشفت التحقيقات عن تورطه بأعمال منافية للأداب ، وكل هذا بمساعدة أحد رجال السياسة ، والذى تم القبض عليه أيضاً هو وتلك المرأة المدعوة توحة ، فأرادت رؤيته خلف القضبان لينال جزاء جريرته بحقها وبحق كل من تسبب بإيذائهم فبالمحكمة... وقف ذلك الرجل ، يحاول أن يتوارى من اضواء تلك الكاميرات ، التى تلتقط لهم الصور ، فأخبارهم ستتصدر الصفحات الأولى من الجرائد ، فتلك ليست أى ق\ضية ، فهى ق\ضية المتاجرة بالفتيات ، والمتاجرة بالأعضاء البشرية ، التى تورط بها ذلك الرجل المدعو الباشا ، فما هو إلا أحد كبار رجال السياسة والأعمال ، الذى كان يستخدم سمعته ستارا يوارى خلفه حقيقة بشعة ، فهو يتذكر ذلك اليوم الذى وجد رجال الشرطة يقتحمون غرفة مكتبه ويلقون القبض عليه فاتحاً بذلك الطريق ، للقبض على تلك العصابة ، التى تستخدم الفتيات فى أعمال غير مشروعة فنطق القاضى بالحكم وقال بصوت جهورى سمعه كل من كان بالمكان : –:" حكمت المحكمة على صابر منصور وشهرته الباشا وفاروق المعداوى وتحية الزيات وشهرتها توحة بالسجن خمسة عشر عاماً مع الشغل والنفاذ رفعت الجلسة" بعد نطق الحكم ، شعرت ليان بالسعادة ، من أن ذلك الرجل سيلقى ذلك المصير الذى يستحقه ، فقامت بوضع كفها الصغير فى قبضة يده القوية ، تنظر اليه بابتسامة صافية ، ترسل رجفات بقلبه ، تجعله يقبض بيده على كفها يكاد يعتصره بين أصابعه ، يريد أن يصدق أن ما يحدث حقيقة وأنها بجواره الآن وعندما همت بالخروج من قاعة المحكمة ، اعترضت والدتها طريقها بعيون باكية وهى تقول: –:" سامحينى يا ليان" نظرت إليها ليان بجمود وقالت : –:" المسامح ربنا بس أسامحك على إيه ولا إيه على أنك السبب فى موت بابا الله يرحمه ، وعلى علشان رمتينى أنا وأخويا ولا علشان عرفت أنك كنتى موافقة أن جوزك يشغلنى عنده فى الكباريه ويستفاد من ورايا أسامحك على ايه بالظبط" حدقت بها إلهام بدهشة وقالت : –:" انتى عرفتى الكلام ده كله منين" كزت ليان على أسنانها لتكافح دموعها وهى تقول: –:" هو ده اللى هامك عرفت منين ربنا يسامحنا كلنا عن إذنك" قامت ليان بسحب يد زوجها ، لتخرج من ذلك المكان ، قبل أن تخونها دموعها ، ولكنه لم يعى حتى الآن من أين علمت بذلك الأمر الخاص بأبيها ،فبعد أن أستقلا السيارة ، نظر إليها وتساءل : –:" ليان أنتى عرفتى منين موضوع أن مامتك السبب فى موت باباكى" مسحت ليان طرف عينيها بإصبعها وقالت : –:" أنا عارفة من يوم ما تيتة دخلت المستشفى وأنت دخلتلها تتكلم معاها ف الوقت ده فضولى خلانى أقف أسمع كلامك وساعتها اتصدمت لما عرفت وعرفت موضوع جوزها لما أنت حكيتلى عن تحقيقات النيابة " غمر خدها بكفه وهو يقول: –:" وليه مقولتليش أنك عرفتى بموضوع باباكى" أحنت رأسها قليلاً فقال بصوت منخفض: –:" أنا كنت فى وقت حسيت أن الدنيا كلها أتقلبت جدتى بتموت والمفروض أتجوزك وأعرف أن ماما السبب فى موت بابا حسيت الدنيا كلها اتكركبت على دماغى دنيتى اللى كنت عايشة فيها بهدوء وراحة بال انقلبت ١٨٠ درجة " إبتسم لها قائلاً : –:" طب ودلوقتى يا ليان" ردت ليان قائلة بحب : –:" دلوقتى دنيتى رجعتلى لما الغزالة رجعت لصيادها تانى" خيم صمت جميل ، غلف الأجواء بتيارات عارمة من المشاعر الجميلة ، المتغلغلة بداخل قلبين وجدوا الراحة بعد عناء البحث الطويل ، فقاد السيارة وهو يدنيها منه ، تضع رأسها على كتفه ، تنعم بقربها منه ، حتى غلبها النعاس دون أن تدرى عوضاً عن ذهابهما للمنزل ، أخذها لأحد المطاعم الفاخرة لتناول الغداء ، فصف السيارة أمام المطعم وناداها برفق قائلاً: – ليان ليان أصحى فتحت ليان عينيها ومسحت وجهها وهى ترد قائلة بإبتسامة ناعسة : – خلاص وصلنا البيت نظرت من نافذة السيارة وعقدت حاجبيها قائلة بدهشة: – إحنا مروحناش البيت ، جبتنى هنا ليه – حبيت نتغدا هنا ، تعالى هأكلك أحلى أكلة سمك أتسعت مقلتيها بعد سماع قوله ، فهى لا تتناول المأكولات البحرية ، ودائماً ما كان شقيقها باسم يغيظها بذلك الأمر ، بأن يجلب العديد من أنواع السمك لتطهيه له ولجدتها الراحلة ، فقبل أن تقول شئ ، ترجل رفيق من السيارة وحثها على الخروج من السيارة ، فتبعته للداخل حتى وصلا لإحدى الطاولات أشار رفيق للنادل ، الذى جاءه على وجه السرعة ودون ما أراده وذهب لجلب الطعام ، فإبتسم رفيق لها قائلاً: – السمك هنا حلو جدا وهيعجبك أماءت برأسها بهدوء ، ولم تشأ إفساد مزاجه ، فوضع النادل الأطباق ، فكلما تنظر للأطباق ، تنقبض قسماتها كأنها ستتقئ ، بدأ رفيق تناول طعامه ، ولكنه أنتبه على أنها لم تضع شيئاً بفمها فعقد حاجبيه متسائلاً: – مالك يا حبيبتى مبتكليش ليه ؟ أغمضت عينيها وردت قائلة: – رفيق أنا مبحبش السمك ولا الجمبرى والحاجات دى ، ودقيقتين كمان هتحصل حاجات مش ظريفة ، أنا هستناك فى العربية على ما تخلص أكل وضعت يدها على فمها وركضت قبل أن تتقئ ، فنهض رفيق ووضع النقود على الطاولة وركض خلفها ، فوجدها تستند على السيارة وهى تحاول أن تلتقط أنفاسها بصورة منتظمة ، شعرت بتأنيب الضمير لأنها تسببت بتركه للطعام فحدقت به وهى تقول بأسف : – أنا أسفة بجد بس مبقدرش استحمل ريحة السمك ولا أكله ، بس مكملتش أكلك ليه ، أنا كنت هستناك فى العربية على ما تخلص رد رفيق قائلاً: – إزاى يعنى أقعد أكل لوحدى وأنا اللى عازمك على الغدا ، طب عايزة تاكلى ايه طيب فكرت ليان وردت قائلة متفكهة : – تعال نتمشى شوية ونبقى نروح ناكل فى البيت ، دا أكل ماما منى أحلى من أكل أى مطعم ، على الأقل نشمر كده وناكل براحتنا ضحك رفيق على قولها ورد قائلاً بإبتسامة: – طب تعالى الشارع ده فى محلات لفساتين الفرح ، نختار فستان ليكى علشان فرحنا فرحت ليان بإقتراحه ، فتجولا بالمتاجر الخاصة بثياب الزفاف ، فأنتقت ثوباً أبيض أنيق ، بتصميم مميز ، فكم بدت رائعة به أثناء إرتداءها له من أجل أن ترى هل مناسباً أم لا ، فوقع رفيق بغرام الثوب وطلتها الجذابة ، التى جعلت قلبه يخفق بجنون وهو يراها تدور حول نفسها وصوت حفيف ثوبها يجعل خفقات قلبه تزداد جنوناً فهتفت ليان بسعادة : – حلو أوى الفستان ده يا رفيق عجبنى أوى أماء رفيق برأسه باسماً: – وعجبنى أنا كمان خلاص هنشتريه يا حبيبتى حملت ليان الثوب بعدما دفع رفيق ثمنه ، فوصلا للسيارة ووضعته بالمقعد الخلفى بحرص ، كأنها تخشى عليه من التلف ، فإستقلت السيارة بالمقعد المجاور لزوجها ، وأنطلق عائداً بها لمنزله ، فكم بلغت سعادته ذروتها وهو يراها سعيدة وتلتفت برأسها تنظر للثوب وسرعان ما تعاود النظر له وتخبره بمدى سعادتها ، فهى لم تكف عن الحديث والتفكه طوال طريقهما ، فبعد وصولهما المنزل ، خرجت ليان من السيارة وأخذت الثوب وأسرعت بخطواتها للداخل ، فنادت رهف ووالدة زوجها وباسم لرؤية ثوب زفافها ، وكل هذا وهو يرمقها بصمت ، ولا يستطيع أن يصف سعادته وهو يرى حماسها وفرحتها بشراء الثوب ، فخرج من شروده على صوت الزغاريد التى راحت تطلقها والدته بصوت صادح ، لا تصدق أنها أخيراً سترى زفاف إبنها البكر ، فهى أنتظرت هذا اليوم بشوق ولهفة ، فصعد لغرفته ووجد ليان تلج الغرفة وذهبت لغرفة الثياب ووضعت ثوب الزفاف وخرجت إليه ، وجدها تتعلق بعنقه تعرب عن سعادتها البالغة بتلك الكلمة السحرية " بحبك '' ، التى همست بها بأحد أذنيه كأنها نغمة عذبة إشتاقت لها روحه كثيراً ، فلم تكف عن قولها _______________ بالشركة كان ينهى بعض الاعمال العالقة ، فالأيام القادمة لن يكون حراً ، فهو سيقيم حفل زفاف لحوريته ، ثم يذهب بها بعيداً لقضاء شهر العسل ، فسمع صوت طرق على باب مكتبه فأذن للطارق بالدخول وهو يقول بصوته الرصين : –:" ادخل" دلفت ماهيتاب بإصرار ، من أنها لابد ان تبوح له بما داخلها ، فربما يشعر بها ذلك الرجل ويعلم أنها تهيم به فرفع رفيق رأسه ونظر إليها قائلاً بكياسة : –:" أهلا يا ماهيتاب اتفضلى" خطت ماهيتاب بخطواتها تجاهه وهى تقول: –:" شكرا يا رفيق " لاحظ رفيق أنها ما زالت تقف مكانها ولم تجلس ، فخشى أن يكون حدث شيئاً بينها وبين شقيقه مالك وهو لا يعلم ، فترك مكانه ودار حول المكتب حتى صار وجهها لوجه معها فنظر إليها قائلاً بإهتمام : –:" خير يا ماهيتاب حصل حاجة " نظرت إليه بصمت دام لثوان معدودة ، فما لبثت أن قالت: –:" رفيق أنا بحبك" رفع رفيق حاجبيه ونظر أمامه بأعين متسعة و غاضبة من وقاحة تلك الفتاة ، التى تأتى إليه الآن وتخبره انها تحبه ، متناسية بذلك أنه الشقيق الأكبر لزوجها المستقبلى فصاح بوجهها قائلاً بغضب : –:" ماهيتاب أنتى أتجننتى إيه اللى بتقوله ده" ردت ماهيتاب قائلة بصوت متلهف : –:" بقول اللى مش قادرة أخبيه أكتر من كده أنا بحبك أنت مش بحب مالك" بذلك الوقت أنفتح الباب ، ودلف منه مالك ، الذى اخترقت مسامعه ، كلمات تلك الفتاة ، فنظر رفيق الى شقيقه ، الذى وقف مكانه كأنه جسداً بلا روح ، بعد ان سمع خطيبته تصرح بحبها له ، هو شقيقه الأكبر والذى يراه دائماً مثله الأعلى وأبيه قبل أن يكون شقيقه فنطق رفيق إسمه بصوت خافت : –:" مالك" نظرت ماهيتاب حيث يقف مالك ، فأعادت ما قالته ثانية ولكن تلك المرة بإصرار أكثر جنوناً : –:" أيوة يا مالك أنا مش بحبك أنت أنا بحب رفيق بحب رفيق وعمرى ما حبيتك من ساعة ما شوفته وأنا بحبه أيوة بحبه" طفقت تردد إعترافها بحبها لرفيق ، كأنها أصيبت بالهذيان ، فهى كأنها وصلت إلى حد الجنون أو الهوس ، غير عابئة بنتائج أقوالها وأفعالها فلم تفيق من حالتها ، إلا على تلك الصفعة ، التى تلقتها على وجهها من يد رفيق وهو يصرخ بها قائلاً : –:" أخرسى وأطلعى برا وأبعدى عن حياتى أنا وأخويا يلا براا براااا" الأخير والخاتمة – " سحر عينيكِ" صرخ رفيق بوجهها ، فانتفضت ماهيتاب من حدة صوته الهادر بها ، فشعرت بإرتجافة قوية تغزو أطرافها ، وعلى الرغم من خوفها الشديد من هيئته ، إلا أن قدميها لم تسعفها بحملها لتهرب من أمامه ، فرفعت يدها على وجنتها تتحسس مكان تلك الصفعة التى ناولها إياها فنظرت إليه قائلة فى دهشة : – أنتى بتضربنى يا رفيق ده كله علشان قولتلك بحبك هو غلط إن أنا أحبك ماذا يفعل معها ؟ ذلك هو السؤال الذى تبادر لذهنه ، بعد رؤية جنونها ، فحتماً هى أصيبت بالجنون ، حتى تتخلى عن كل معالم الأخلاق والقيم ، وتخبر شقيق خطيبها بأنها تفضله هو عن شقيقه – أنتى شكلك فعلاً أتجننتى يا ماهيتاب فوقى يا بنتى فوقى دا مينفعش مينفعش ومستحيل يحصل قالها رفيق بصراخ ، لعلها تعى تلك الحمقاء حقيقة كونه من المحال أن تظل تفكر بتلك السخافات بعقلها فخرج مالك عن صمته أخيراً وقال بصوت معبأ بالدهشة والصدمة والخيبة : – يعنى كل كلام الحب بتاعك ده يا ماهى بتضحكى عليا علشان تبقى قريبة من رفيق ، ولو كنا اتجوزنا كان هيبقى عندك إستعداد تخونينى شق الحرج والشفقة قلب رفيق من قول مالك ، فهو من المحال أن يقدم على التسبب له بإيذاء أو أن يكسر أواصر علاقة الأخوة والمحبة بينهما ، فهو إبنه قبل أن يكون شقيقه – برا يا ماهيتاب قولتلك ومش عايز أشوف وشك تانى وعلاقتك بأخويا أنتهت لحد كده خلاص برااااا صرخ بها رفيق بوجهها ثانية ، فهو يريد إختفاءها من أمامه ، فيكفى نظرات الألم ، التى يراها بعين شقيقه فلم تنتظر ماهيتاب أن يقولها ثانية ، فأخذت حقيبتها التى سقطت منها أثناء صفع رفيق لها ، فركضت خارج الغرفة تهرول مسرعة ، قبل ان تتلقى صفعة اخرى منه ربما هذه المرة سيجعلها تبصق أسنانها نظر رفيق إلى شقيقه ، فهو يعلم ما يشعر به الآن ، وجد نفسه يقترب منه و يضمه اليه بحنان أبوى ، فهو لم يكن يريد أن يكون المتسبب بكسر قلبه ، بسبب جنون و هوس تلك الفتاة به فربت على ظهره قائلاً بحنان : –:" مالك حبيبى متزعلش من اللى حصل ده كله جايز ده خير وأحسن ليك " أبتعد مالك عنه ونظر إليه ودمعة حارة فرت من إحدى عينيه وهو يقول : –:" طلعت ده كله بتضحك عليا ووخدانى سكة علشان توصلك ازاى كنت مغفل ومأخدتش بالى ده كله ازاى ازاى" صرخ مالك بكلمته الأخيرة ، فأسرع رفيق بالقبض على مرفقيه ، لعله يهدأ قليلاً ، فهتف به قائلاً: – :" خلاص يا مالك متفكرش فى اللى حصل كتير ، ربنا هيعوضك باللى احسن منها إن شاء الله وكويس أنك عرفت دلوقتى قبل ما تتورط بجوازك منها " ربما شقيقه محق بما قاله ، فالله قد أرسله بذلك الوقت ليسمع بأذنيه حديث تلك الفتاة ، ليعلم أنها لن تكون له يوماً ، فعلى الرغم من تلك النيران التى تغير بصدره ، إلا أنه لايلوم شقيقه الأكبر على ماحدث ، فهو مثله ليس مذنباً بتلك القصة ، فربما هذا أفضل من أن تندلع الكراهية بينهما فيما بعد ، إذا كان تزوج من ماهيتاب وهى تفكر بشقيقه ، وتتسبب بتحطيم كل الروابط بينهما عندما وجد رفيق أن صمته قد طال ، ولكن بدأت معالم الغضب والألم تنحسر عن وجه تدريجياً ، عاد وضمه إليه ثانية ، وتلك المرة شدد مالك من إحتضان شقيقه ، فتلك رسالة أبلغ من الحديث ، بأن رفيق سيظل شقيقه وراعيه وأبيه ، الذى لن يسمح لأى أحد بتعكير صفو تلك المحبة بينهما _________________ تلك الليلة التى تسبق الزفاف ، أقيم حفل الحناء بمنزل رفيق ، فتجمعت الفتيات وجاءت سارة هى الأخرى ، فبالغد سيكون زفافهما سوياً ، فإجتمعت الفتيات بالداخل ، بينما تجمع الرجال بالخارج ، ينظر رفيق من وقت لأخر لشقيقه مالك ، فتارة يراه صامتاً وتارة أخرى يجده يتحدث ويضحك ، ولكنه يعلم أنه لن يتجاوز الأمر بسهولة ، ولكن هو بحاجة لمزيد من الوقت فأنتبه رفيق على نداء أكمل له وهو يقول: – إيه يا عمنا روحت فين كده تبسم رفيق إبتسامة هادئة قائلاً : – معاكم أهو بس قولى أنت دلوقتى بقيت كويس ولا ناوى تفضحنا بكرة فهم أكمل مغزى حديث رفيق ، فوكزه بكتفه وقال : – أتلم ياض أنت أينعم الحادثة فشفشتنى بس الحمد لله على كل حال ربت رفيق على ساق أكمل قائلاً: – الحمد لله يا صاحبى أنك بخير متعرفش أنا كان ممكن يجرالى أيه لو بعد الشر كان جرالك حاجة ، دا أنت صاحبى الوحيد وأخويا وأنت اللى عارفنى أكتر من أى حد تبسم له أكمل ، فالعلاقة بينهما لم تقتصر على الصداقة فقط ، بل كانت علاقة أخوة أكثر منها صداقة ، فهو لا ينكر سعادته برؤية تلك السعادة على وجه رفيق من أنه أخيراً نال منه العشق بالداخل ... كان صوتها هى أكثر جهورية وصخباً ، فهى لن تجد حدثاً كهذا كل يوم ، فهى تتنقل بين الجالسات بمرح ، بل أنها لم تكف عن التصفيق والغناء والرقص فسحبتها ليان من يدها وهى تقول : – رهف كفاية عليكى كده أنتى هتفرهدى مننا كده ضحكت رهف وقالت : – ياستى هو كل يوم أبيه رفيق القمر ده هيتجوز سبونى أخد فرصتى قالت رهف شق جملتها الأخير بتفكه ، فما لبثت أن عادت للرقص ثانية ، تطلق الزغاريد بصوت صادح فشعرت ليان بجلوس والدة زوجها بجانبها ، فمدت يدها وأخذتها بين كفيه ، فبسطتها ووضعت بها خاتم ذهبى ، فنظرت لها ليان بنظرات متسائلة : – خاتم ايه ده يا ماما منى إبتسمت منى بحنين وهى تقول: – الخاتم ده كان أول خاتم رفيق أشترهولى من فلوسه اللى كسبها من عرقه وشقاه ، فالخاتم ده غالى عليا أوى فحبيت أهديكى بيه زى ما ههديكى براجل لو فضلت تدورى على حد فى شهامته ورجولته مش هتلاقى ، وأنا مش بقول كده علشان أنا أمه وبحبه لاء والله ، رفيق فعلاً ونعم الرجال ، فخلى بالك منه يا ليان ، هو بيحبك وده باين عليه أوى ، أنا عمرى ما شوفت إبنى متعلق بواحدة كده ، وعلشان كده أديتك أغلى ذكرى عندى ، فحافظى على إبنى زى ما هتحافظى على الخاتم أغلقت ليان كفها على الخاتم ، وأحتضنت والدة زوجها بحب وهى تهمس بأذنها بوعد : – هم الاتنين فى عينيا يا ماما منى قبلتها منى على وجنتها ، فهذا هو اليوم الذى أنتظرته طويلاً ، وكانت تلح على إبنها من أجل أن يجعلها تشعر بشعور الفرح برؤية وحضور زفافه ، فلم تمنع نفسها هى الأخرى من إبداء سعادتها أمام الحاضرين وشاركتها والدة سارة فرحة بزفاف إبنتها هى الأخرى فمدت رهف يدها لسارة وهى تقول بتفكه: – يلا تعالى أرقصى معايا عرايس ايه اللى قاعدة ساكتة دى يا أخواتى تبسمت سارة على قولها ونهضت من مكانها وهى تقول: – خلاص يا ستى ولا تزعلى نفسك هرقص معاكى أهو يلا يا ليان وأنتى يا نسرين تحولت الصالة لساحة رقص ، فتعالت الضحكات والتصفيق ، بل أن رهف أطلق صافرات الإعجاب بصوت مسموع ، فظل الإحتفال على أشده ، حتى الساعات الأولى من اليوم التالى فبعد أن أنفض الجمع وخلد الجميع للنوم ، لم يواتيها النوم ، فولجت شرفة الغرفة ، ورفعت يديها تنظر لتلك الرسومات على يديها وهى تبتسم – جميلة أوى الحنة على إيدك قالها رفيق وهو يقترب منها ، فشهقت ليان بخفوت فمن أين جاء ؟ فوالدته أصرت عليه بالمبيت بمكان أخر اليوم ولكنها تذكرت أن الشرفة متصلة بغرفة أخرى ، والتى يبدو أن رفيق كان يقيم بها ، فقبل أن تلوذ بالفرار منه كان محاصراً إياها بإحدى الزوايا مانعاً فرارها ، كغزالة صغيرة وقعت بالأسر بين يدى صياد ماهر ، علم كيف يجعلها تستكين لأوامره وتطيعه بدون أن تبدى رفضاً أو إعتراضاً فأستندت بكفيها على الجدار خلفها ، كأنها تحاول النفاذ خلاله ، فقالت بتوتر : – ررفيق أنت جيت هنا ليه دلوقتى مش المفروض تكون نايم يلا روح نام قبض على إحدى خصيلاتها ومررها بين أصابعه وهو يقول : – مجاليش نوم قبل ما أشوفك وأنتى منمتيش ليه أنتى كمان – من كتر الفرحة والتفكير مش عارفة أنام قالتها ليان ببساطة ، فجعلت الإبتسامة تسكن محياه ، فظل يقترب منها ، حتى شعرت بدنو عناقه لها ، ففرت من أمامه بسرعة ، وأغلقت باب الشرفة ، تاركة إياه بالخارج فأستندت على الباب الزجاجى للشرفة وهى تقول : – يلا يا رفيق روح نام ولكن طرق رفيق الباب الزجاجى ، فألتفتت تنظر إليه عبر الزجاج ، وهى تحرك رأسها بالرفض ، من أنها لن تسمح بمروره للداخل ، بل لم تكتفى بذلك ، بل سحبت الستائر لتحجب الرؤية بينهما ، فعليه الانتظار حتى حلول الغد _______________ ولجت رهف غرفة شقيقها مالك ، فهم علموا بشأن فسخ خطبته من ماهيتاب ، فوالدته ظلت تدعو له بصلاح الحال ، وأن يعثر على فتاة أفضل منها ، ولكن رهف مازالت تشعر بمدى حزن شقيقها ، فلا أحد يعلم سبب فسخ الخطبة سوى هو ورفيق صاحت رهف بإعجاب من رؤية وسامة شقيقها بحلته السوداء وهى تقول: – ايه يا لوكا الجمال ده كله قمر يا ناس تبسم مالك على اللفظ التحببى ، الذى تطلقه عليه شقيقته ، فقرص وجنتها برفق وهو يقول: – مش قولتلك بطلى كلمة يا لوكا دى محسسانى أن انا أبقى أبن أختك وبتدلعيه ضحكت رهف وقبلت وجنة شقيقها قائلة : – يا خراشى على القمر هو أنا أطول يبقى عندى إبن أخت عسلاية كده علم مالك بأن ما تفعله رهف ماهو إلا رغبة منها فى الترويح عنه ، فعاود النظر بالمرآة ليتأكد من حسن مظهره ، فاليوم زفاف شقيقه الأكبر ، ويجب أن يبدو بأبهى طلة فرفعت رهف يدها وربتت على كتفه وهى تقول بجدية : – متزعلش يا مالك من اللى حصل ربنا يعوضك بأحسن منها أنا مش عارفة أنت إزاى مش واخد بالك من حب نسرين ليك دى أى حد عنده نظر هيعرف أنها ميتة فى هواك لا تعلم كيف أنسابت الكلمات من بين شفتيها ، فرعونتها أحياناً تجعلها تتفوه بما لايصح ، كما فعلت من قبل وأخبرت رفيق بشأن حب ليان لماجد فوضعت يدها على فمها ، كأنها أدركت ذلة لسانها فجأة ، فتيبس جسد مالك ، بعد سماع ما قالته رهف ، فقبل أن يستدير إليها للسؤال عن صحة قولها ، كانت تفر هاربة من الغرفة ففغر فاه وهو يقول فى دهشة : – نسرين رمش مالك بعيناه عدة مرات ، كأنه يحاول أن يعى ما سمعه من شقيقته ، فهل ما قالته صدقاً ، أم انها تمزح معه كعادتها ، فهو لم يفكر مطلقاً بشأن نسرين ، فهو كان يرى أفعالها معه ، على أنها تقديراً واحتراماً منها لرب عملها ، ولكن أن يكون كل هذا بدافع الحب من جانبها ، فهذا لم يفكر به مطلقاً من قبل ________________ فى إحدى القاعات الفخمة ، الخاصة بحفلات الزفاف ، ولجت فتاتان بكامل أناقتهما ، فمن يراهما يجزم أنهما حوريتان وليسوا بشريتان ، فاليوم يوم زفاف رفيق و صديقه أكمل فهما أصروا على اقامة حفل زفاف واحد ، ليتشاركا فرحتهما سوياً تأبطت كل منهما ذراع زوجها ، ووجوههما تكاد تنفجر منها الدماء ، من فرط خجلهما ، فتعالت الزغاريد بالقاعة ، فكل الوجوه مبتسمة وسعيدة ، والأجواء مفعمة بالحب والعشق رفع رفيق الوشاح الأبيض من على وجهها ، فهو لم يصدق بعد أنها هى الآن عروسه ، تلك الفتاة التى ارهقت قلبه كثيراً ، ولكن وصل بالنهاية إلى أن تصبح ملكه وسيشهد الجميع على ذلك فهمس لها قائلاً بحب : –:" مبروك يا حوريتى" أطرقت برأسها أرضاً وهى تقول بخجل : –:" الله يبارك فيك يا حبيبى" أطلق رفيق نهدة حارة وهو يقول: –:" انا مش مصدق نفسى لدلوقتى انك بقيتى ليا يا ليان حاسس أن أنا لسه بحلم" عضت على شفتها السفلى لتوقف أرتجافها ، فما لبثت أن قالت بصوت مبحوح : –:" لاء صدق يا رفيق إحنا دلوقتى مع بعض أهو " رد رفيق قائلاً بعشق : –:" أنتى قلب رفيق يا ليان" سمع اسمه منها ، مثلما كان يحلم دائماً ، فهمسها باسمه لم يزيد قلبه إلا تعلقا بها ، ذلك القلب الذى كان منذ سنوات يحيى بسبات عميق ، ويرفض أى انثى أن تقترب منه لتوقظ الحب بقلبه ، حتى جاءت تلك الصغيرة ، تذيب بحرارة عشقها ذلك الجليد الذى كان يحاوط قلبه إحاطة السوار بالمعصم إبتسم أكمل وهو يرى ابنته تقفز فرحاً من مكان لآخر ، تأتى إليهما ثم تذهب للعب مع الاطفال ، يبتسم لها ويبتسم لتلك الجميلة بجواره ، تلك الفتاة التى جعلته يشعر بتلك المشاعر الجميلة والصاخبة ، تجعله عازماً على أن يحيا حياة جميلة معها ، فيكفى سنوات عمره التى هُدرت وهو يعيش حياة أشبه بالموت تعجبت سارة من تحديقه المستمر بها ، فتبسمت له قائلة: –:" أنت بتبصلى كده ليه" بادلها أكمل الابتسام وهو يقول: –:" معجب فيها حاجة دى يعنى" حمحمت سارة كأنها تدعى الجدية فقالت بمزاح : – :" أمممم طب أسكت أحسن أقول لجوزى عليكى" – :" قولى وربنا كده هتقولى لجوزك" قالها أكمل ليجاريها بمزاحها ، فحركت سارة رأسها وهى تقول : –:" اه طبعاً هقوله أن فى راجل حليوة كده بيعاكسنى وبيقولى انا معجب وقولتله أن أنا هقول لجوزى وقالى إيه يعنى وراح مشوح بإيده كده كأنه مش هامه حاجة " رد أكمل قائلاً : –:" أنا بحبك يا سارة " إجتاح أعترافه لها حواسها ، فخرجت الكلمات من فمها بإنسيابية وهى تقول: –:" وانا كمان بحبك اوى" يقف مالك بجوار شقيقته رهف ، التى لمحت مجئ نسرين فابتسمت لها وهى تقبلها على وجنتيها وتقول : – :" نسرين نورتى الفرح عقبال عندك إن شاء الله" ردت نسرين قائلة بإبتسامة : –:" تسلمى يا رهف وعقبالك انتى كمان وعقبال عندك يا مستر مالك إن شاء الله" –:" تسلمى يا نسرين وهنا أنا أسمى مالك مفيش رسميات النهاردة " قالها مالك بهدوء ، فابتسمت نسرين بخجل وهى تنظر أرضاً ، تشعر بأن حرارة قوية تلتهم وجهها بدون رحمة ، ولكنه لا يعلم لما ظل إعتراف شقيقته رهف يرن بأذنيه بعد رؤيتها ؟ ولماذا الآن عيناه تأبى النظر إلى أى شئ اخر سوى تلك الملامح الهادئة والجميلة ؟ فهل من الممكن أن تكون هى بدايته الجديدة ، ولكن ربما هو بحاجة لبعض الوقت للتخلص من مشاعره القديمة ، ولكنه يحث ذاته ، على الإسراع بأن يبرأ سريعاً مما به ، حتى لا يأتى الوقت ويراها هى الأخرى محالة المنال ليلة خرافية عاشها المحبين بأجواء ساحرة و تمنيات بحياة زوجية سعيدة ، فبالفندق المقام به حفل الزفاف ، كان كل منهما يأخذ عروسه لتلك الغرفة المخصصة لهم اليوم لقضاء ليلتهم رفعت سارة ثوبها قليلاً حتى لا تتعثر به وولجت الغرفة يتبعها أكمل ، فهى تشعر بالخجل والحياء ، ولكن تبسم لها أكمل إبتسامة تشجيعية ، لتترك خوفها جانباً ، فبعد أن استعد كل منهما لتأدية الصلاة ، وقف أكمل يأمها بالصلاة ، يدعو كل منهما بأن تكون زيجة مباركة ، فقبل أن تفكر بالهرب منه كان هو الأسرع بإلتقاط يدها فهتف بها قائلاً: – راحة تجرى على فين كده أنتى دلوقتى ضمت سارة شفتيها وزاغت عينيها بكل مكان عدا وجهه ، فلم يمهلها فرصة للرد أو التفكير ، بل حان وقت الشعور بكيفية الوصال بين قلبان إجتمعا سوياً برباط الزواج والعشق على الجانب الآخر... بعد أن دلف رفيق إلى غرفته ، يحملها بين ذراعيه وهى تتعلق بعنقه ، تشعر بالخجل الشديد ، وقام بانزالها أرضاً ، حاولت أن تهرب بنظراتها منه ، إلا أنه رفع يده يثبت وجهها أمام وجهه ، فمرر ابهامه على وجنتها بنعومة جعلتها تغمض عينيها من موجة المشاعر العاتية التى عصفت بكيانها فإستمعت لصوته وهو يقول: –:" يلا غيرى هدومك علشان نصلى" فردت قائلة بصوت خافت : –:" حاضر" ذهبت لتبديل ثوب زفافها ، بثوب فضفاض ، وبعد أن انتهت وقفت خلفه يأمها بالصلاة ، فبعد تأديه صلاتهما بخشوع جلس ووضع يده على رأسها يدعو الله ان يجعلها زيجة مباركة وبعد الانتهاء ، وجدته يسحبها معه الى ذلك العالم ، الذى تخطو به أولى خطواتها بحياتها الزوجية ، خطت به بمشاعر عدة خوف وحب وعشق وجهل ، يتملكها بين ذراعيه ، كأنها بعالم وردى أصبحت لا ترى فيه سوى وجه ذلك الرجل الذى أصبح دنياها فأنبعثت حروفها بأذنيه كنغمة طربية وهى تقول: – بحبك بحبك أوى يا رفيق لو تعلم كم كان قلبه يتحرق لسماع تلك الكلمة منها ، ولكنه أخيراً ظفر بها وظفر بحورية سلبته عقله فرد قائلاً بصوت أجش : – وأنا بعشقك يا قلب رفيق يا حورية رفيق رفعت عيناها إليه وتبسمت له قائلة : – مكنتش أعرف أن أنا هحبك أوى كده أو أنك مفيش أطيب من قلبك وحبك وخوفك على اللى منك ، كنت فى الأول شيفاك واحد مغرور ومتكبر ومعندوش قلب وبيحب يجرح اللى حواليه ، فمن أول ما شوفتك وأنا حسيت بالنفور منك وزاد أكتر لما طردتنى من المحاضرة وأحرجتنى قدام كل الطلبة ، لاء وتطلع كمان المشترى لأكتر مكان بحبه وعزيز عليا ، واتغصبت أن أوافق على جوازنا من غير إرادتى ، فالوقت ده كنت عايزة حاجة واحدة بس أن أنت تختفى من الدنيا كلها بس لما شوفت حنيتك وخوفك عليا ، والصراحة كنت كل ما تقرب منى يتبخر كرهى ليك ، ولما أنت قولتلى أنك بتحبنى ، كنت بقولك أن بكرهك علشان أدارى إحساسى بالانجذاب ناحيتك ، بس مقدرتش أقاوم كتير ولقيت نفسى غرقانة فى بحر حبك تركها تتحدث على سجيتها ، بل أنه لم يحاول قطع حديثها ، فهو يريد أن يستمع لها للنهاية ، فبعد أن كفت عن الحديث ، كان عناقه لها أبلغ رد على حديثها ، فتغشى النعاس أعينهما بعد إمتلأ قلبيهما غراماً وهياماً فباليوم التالى أقلعت الطائرة التى حملت على متنها العروسان ، متجهة لإحدى الدول الأوروبية ، التى لم تطأها قدميها من قبل ، فهى تسبح بخيالها فى تلك الأيام ، التى بإنتظارها على جزيرة الحب ______________ بعد مرور خمسة أشهر بعد ليلة الزفاف الحالمة ، كانت ليان تقف بشرفة غرفتهما ، تغمض عينيها لتتلذذ باستنشاق نسمات الهواء النقى ، التى تلفح وجهها بنعومة ، فلم تشعر بالذى دلف لتوه ، يطوقها بذراعيه كنسر يضم إليه يمامة صغيرة ، أرتسمت ابتسامة على ثغرها الوردى، وهو يمد يده يتحسس انتفاخ بطنها الطفيف من الحمل ، فهى الآن حامل بالشهر الخامس ، فثمرة عشقهما نبتت بأحشاءها منذ ليلة زفافهما فهتفت به قائلة بصوت ناعم : –:" حمد الله على السلامة يا حبيبي" رد رفيق قائلاً بعشق: –:" الله يسلمك يا قلب رفيق" إستدارت إليه وهى تقول: –:" يومك كان عامل ايه النهاردة فى الشغل " قال وهو يمسد بيده على بطنها بحب : –:" الحمد لله تمام أخبار حبيبة بابا ايه النهاردة" نظرت ليان لموضع يده على بطنها وقالت باسمة : –:" الحمد لله كويسة جبتلى معاك الفراولة" أماء رفيق برأسه قائلاً : –:" ايوة يا ستى انت شطبتى على الفراولة اللى موجودة في البلد كلها" –:" بنتك هى اللى طفسة اعمله ايه يعنى" قالتها ليان وهى تمسد على بطنها برفق فتبسم رفيق وقال : –:" بنتى برضه اللى طفسة ولا امها" رفعت وجهها إليه ، وعبست ملامحها وهى تقول: –:" قصدك ايه يعنى ها قصدك أن أنا مفجوعة مش كده وأن تخنت صح وأن باكل كتير" رفع رفيق حاجباه الكثيفان قائلاً فى دهشة من حديثها : –:" لااااا دا هرمونات الحمل النهاردة ضاربة فى العالى اوى يا حبيبتى اهدى كده هو انا قولت حاجة دا أنتى قمر" لوت ليان ثغرها وهى تقول: –:" اه بحسب" همس لها قائلاً : –:" بتحسبى إيه يا قلب رفيق" يهمس لها مدغدغاً لمشاعرها ، يجعلها راغبة فى سماع المزيد من كلماته بهذا الهمس الجميل ، الذى يجعل قلبها يريد أن يفلت من بين ضلوعها من شدة دقاته فنسيت ما كان من أمرها قائلة : –:" أنا قلبك يا رفيق" رد رفيق بعشق خالص قائلاً : –:" أنتى مش قلبى بس أنتى عمرى وروحى وحبيبتى وإن شاء الله أم بنتى " قالت ليان بهمس ناعم: – " أنا بحبك وبموت فيك يا حبيبى " صوت أنثوى خلاب ، يهمهم له بعبارات كفيلة بجعله يخضع أكثر فأكثر لسلطان الحب والعشق ، فهو عاشق متملك لحورية صغيرة ، تجعله يعيش بجنة خاصة به ، يرفض تركها أن تنسل من بين طيات قلبه ، الذى عاد للحياة مرة اخرى نابضاً بعشقها ، فهو حصل على غنائم العشق ، التى تمثلت بإمتلاكه لها وبالسعادة التى غزت قلبه وحياته ، ولم ينتهى الأمر إلا هذا الحد ، بل أنها تحمل بأحشاءها ثمرة هذا العشق الحلال ___________ ظل مالك ينقر بالقلم على سطح مكتبه مراراً ، ففعلته تلك لم تزده إلا شعور بالتوتر والقلق ، ولكنه يريد أن يفعل شيئاً يخفف به من ذلك الشعور ، الذى إجتاح حواسه فجأة ، خاصة بعد علمه بأنها ربما قريباً تترك العمل من أجل زواجها ، فهو جن جنونه وطار صوابه بعد علمه بهذا الشأن ، فلم يكن يدرى كم يهفو قلبه إليها ، إلا بعد علمه أنها ربما ستفارقه للأبد فهو بالأشهر الماضية ، كان يعمل على نسيان خيبته بحبه الأول ، ولم يعى أنه برأ من هذا الحب ، إلا بعد سماعه حديثها هى وصديقتها وكانت تخبرها بأن ربما قريباً ستترك العمل فضغط على الزر الموضوع على مكتبه لإستدعاها ، فبثوانى معدودة كانت تقف أمامه قائلة بوجهها البشوش كعادتها : – أفندم يا مستر مالك ترك مالك مقعده فجأة وهو يقول: – نسرين هو أنتى هتسيبى الشغل فعلاً علشان هتتجوزى عقدت نسرين حاجبيها وقالت فى دهشة : – هو حضرتك عرفت الموضوع ده منين – مش مهم ده دلوقتى جاوبينى على اللى سألتك عليه قالها مالك بصيحة عالية نسبياً ، فهو الآن بوضع لا يخوله إجابتها على ماسألته إياه ، بل هو من يريدها أن تجيب على سؤاله فأطرقت نسرين برأسها أرضاً وهى تقول: – أيوة يا مستر مالك بجد الكلام ده ألقى مالك القلم من يده بغيظ ، فتعجبت أكثر مما يفعل ، فهى كانت سأمت إلحاح والديها بشأن زواجها ، وقررت الموافقة حتى يهدئان ، على الرغم من أنه قراراً ليس بالهين ، خاصة وأنها مازال قلبها متعلقاً بحبائله فمسح مالك وجه وقال فجأة : – نسرين أنا عايز اتجوزك رفرفت نسرين بأهدابها عدة مرات ، كأنها تحاول أن تعى ما قاله ، فربما هو يمزح معها ، فعندما أرادت أن تقول شيئاً ، لم يسعفها لسانها بالنطق فسمعته يكمل حديثه قائلاً: – قولتى إيه يا نسرين موافقة أن إحنا نتجوز أنا مكنتش أعرف أن قلبى أتعلق بيكى كده إلا لما سمعت أنك هتتجوزى ، فمقدرتش أخبى حقيقة مشاعرى أكتر من كده فغرت نسرين فاها ونظرت إليه ببلاهة ، فلم يمنع نفسه من الضحك على تعبير وجهها المصدوم ، فرفع يده يفرقع بأصابعه لعلها تفيق مما هى بهفلم يكن ردها على ما قاله سوى أن تحركت صوب الباب وهى تقول : – أنت عارف عنوان بيتنا ، تعال وكلم بابا فتحت الباب وأختفت من أمامه بلمح البصر ، بينما تنفس هو بإرتياح وعاد وجلس على مقعده خلف مكتبه ثانية ، فبالمساء سيخبر عائلته بذلك النبأ السعيد ، فهو يعلم أنهم سيشعرون بالسعادة من أجله وخاصة شقيقه الأكبر..رفيق _______________ فما كادت تقترب الملعقة من فمها ، حتى داهما غثيان مفاجئ ، حاولت تجاوز الأمر ، ولكن كلما إشتمت رائحة الطعام زادت رغبتها بالتقئ ، فلم تمهل نفسها دقيقة بل ركضت للمرحاض وأغلقت الباب وأفرغت ما بمعدتها ، حتى شعرت بتقلصات زادت من شعورها بالألم والارهاق نظر أكمل وكنزى لبعضهما البعض مما فعلته سارة ، فترك مكانه وذهب خلفها ، ترك على باب المرحاض وهو يقول بإلحاح – سارة مالك فى إيه أنتى تعبانة ؟ فتحت سارة باب المرحاض وهى تجفف وجهها بالمنشفة القطنية بإحدى يديها ، ويدها الاخرى تضغط بها على بطنها فردت فائلة بصوت واهن بعض الشئ : – مش عارفة معدتى قلبت مرة واحدة وقرفت من ريحة الأكل فتبسم أكمل وقضم شفته السفلى وسرعان ما قال : – هو أنتى حامل يا سارة صمتت سارة لبرهة ، ولكن سرعان ما أنفرجت أساريرها وهى تقول: – تفتكر يا أكمل أن أكون فعلاً حامل أمسكها أكمل من كتفيها وهو يقول باسماً: – وليه لاء تعالى نروح للدكتورة ونشوف مش هنخسر حاجة فبالمساء ، كان أكمل يصطحبها ويصطحب صغيرته للطبيبة النسائية ، فبعد حلول دورهما بالدخول ، ولجت سارة وهى تدعو من داخلها بأن تكون حقاً حامل وتنجب له طفل يزيد من روابط المحبة بينهما فبعد فحص الطبيبة لها وعمل كل ما يلزم ، تبسمت لها قائلة : – مبروك يا مدام سارة أنتى فعلاً حامل إجتاحت السعادة حواسها بعد سماع ما قالته الطبيبة ، فنظرت لزوجها ، الذى لم يخفى سعادته هو الآخر ، فخرجوا من العيادة ونظر أكمل لكنزى قائلاً : – هيجيلك أخ نونو يا كنزى تلعبى معاه قفزت الصغيرة وصفقت بحماس وقالت: – بجد يا بابى هيبقى عندى أخ هااا تبسمت سارة على أفعال الصغيرة ، التى مازالت تقفز فرحاً وتصفق بيدها ، وتردد ما أخبرها به أبيها ، فمسدت على بطنها بحنان وهى تدعو الله أن يأتى طفلها للعالم بخير سليماً معافى ، وحبذ لو كان يشبه والده _____________ سمعت صوت إدارة مقبض الباب ، فعلمت أنه عاد من سفره ، الذى دام قرابة الثلاثة أيام ، فتركت فراشها ، ووضعت يدها بظهرها ، لعلها تخفف من شعورها بثقل حملها ، فهى الآن ببداية الشهر التاسع من حملها ، فسارت بخطواتها البطيئة خطوتين ووجدته أمامها ، إبتسمت بإتساع من رؤياه ، ولما لا وهو من جعلها تغرق بعشقه لأذنيها ، فلم ينسى أن يهديها تلك الابتسامة الخاصة بها ، والتى تجعلها تلتصق به ولا تريد إفلاته ، فأقتربت منه أكثر ولكن حالت بطنها الحاملة لصغيرتهما بينهما ، فهى حتى لا تستطيع وضع يديها حول عنفه ، ولا تفعل ذلك إلا بصعوبة فزفرت بإحباط وهى تقول : – رفيق علم ما تفكر به ، فقبل جبينها ورفعها بين ذراعيه ، فأمتنت لفعلته التى مكنتها من توسد كتفه ووضع يديها حول عنقه ،فوضعها بمنتصف الفراش وجلس مقابل لها وهو يضع يديه على بطنها قائلاً : – وحشتونى أوى أوى عانقها بحرارة ، يبثها اشواقه إليها ، وهى تتلقى كل ما يجود به العشق بصدر رحب ، فلم تكن تعلم أنها ستشتاقه هكذا ببضعة أيام فقط ، فما حال لو تركها أشهر ، فربما ستصاب بالجنون فوضعت رأسها على كتفه وهى تقول: – خلصت شغلك على خير الحمد لله ؟ أماء رفيق برأسه قائلاً: – أه الحمد لله كله تمام ضحكت بخفوت ، فأثارت فضوله بفعلتها ، فنظر إليها وتساءل : –بتضحكى على إيه يا ليان وضعت شعرها خلف أذنها وهى تقول: – أصل لما لقيتك غبت أقعدت أتخيل أن أنت هترجع من السفر متجوز عليا ، زى ما حصل وجيت علشان تشترى أرض بابا ورجعت وأنا مراتك ، كانت دماغى مش مبطلة خيالات مع أن أنت كنت بتكلمنى فى اليوم كذا مرة بس وسواسى كل عقلى تبسم رفيق على قولها ، فأراد ممازحتها قليلاً ، فنظر إليها قائلاً بجدية مصطنعة : – دى مش وساوس يا ليان دى حقيقة صحيح قلب المؤمن دليله ، أنا مكنتش عارف هقولهالك إزاى أو أعرفك أن أتأخرت علشان اتجوزت ، بس صدقينى دى جوازة كده ، بس أنتى الحب كله أنتفضت ليان من بين ذراعيه فجأة ، مسببة بذلك ألماً لها ، ولكن لم تكن تعير هذا الألم إهتماماً ، قدر سماعها ما قاله رفيق فأستندت على مرفقها وهى تقول بإستنكار : – إييييه أتجوزت عليا يا رفيق دا أنا حتى لسه مخلفتش أول طفل لينا أه يا ابو عين زايغة قبل أن يراها تترك الفراش بثورتها العارمة، جذبها من ذراعها وأعادها بين ساعديه من جديد ، فما الذى دهاه حتى يمزح معها هكذا وهو يعلم مدى شعورها المرهف خاصة بحملها قبل رأسها عدة مرات وهو يقول بصوت عاشق : – وهو أنا عينى تقدر تزوغ على حد تانى يا قلب رفيق أنا كنت بهزر معاكى ، ثم هو أنا قادر على كتر حبى ليكى علشان أروح اتجوز واحدة تانية هدأت حركتها المتململة بعد سماع قوله ، فلو كان قد صدقها القول وتزوج من أخرى ، كانت ستحرص على أن تجعل أيامه جحيماً لا يطاق ، فهى باتت تغار عليه من ثيابه ، فكيف تسمح لأخرى ، بأن تحصل على ما تحصل عليه هى من عشق ودلال ، فلا أنثى لها الحق به سواها هى فقط دائماً وأبداً باليوم التالى مساءاً جلست ليان على الأريكة بالصالة ، ووضعت طبق الفشار أعلى بطنها المنتفخة ، وبدأت بمشاهدة التلفاز ، فكلما حاولت رهف مد يدها لتأخذ منه ، تصفعها ليان على يدها ، فتزمجر رهف بصوت منخفض ، لتعيد الكرة ثانية فمدت يدها بداخل الطبق الزجاجى وأنتشلت ما أمكنها من الفشار وهى تقول: – فى إيه يا شيخة قربتى تاكلينى ما انا هاكل فشار معاكى يعنى هاكل ايه الطفاسة بتاعتك دى أخذت ليان الطبق ووضعته بجانبها بعيداً عن يد رهف وهى تقول: – لاء محدش هياخد الفشار بتاعى أنا وبنتى وجدها باسم فرصة سانحة وشقيقته تتشاجر ذلك الشجار اللطيف مع رهف ، فمد يده وأخذ الطبق وبدأ يأكل منه فرآته ليان وشهقت بصوت مسموع : – حتى أنت يا باسم بتسرق الفشار بتاعى فحاولت ترك مكانها لتأخذه منه ، فتعثرت حركتها ، فضحكت رهف بصوت مسموع وهى تقول: – عايزة عشرة يشدوكى أحسن خليكى كده زى السلحفة اللى نايمة على ضهرها هات يا باسم الطبق ناكله هى على ما تفكر تقوم هنكون الفجر رأى باسم ملامح وجه شقيقته تنكمش وتمط شفتيها كأنها على وشك البكاء ، فناولها الطبق وهو يقول: – خلاص يا حبيبتى خدى الطبق أهو ومتزعليش أخذته منه ليان ونظرت إليهما وهى تقول بغيظ : – اه يا جزم صبركم عليا بس أولد وهطلع اللى بتعملوه فيا ده على عينيكم خرجت منى من المطبخ وهى تحمل أطباق الفشار التى أعدتها لرهف وباسم ، فناولت كل منهما طبقه وهى تقول:. – خدوا الفشار أهو وسيبولها الطبق بتاعها ومحدش يضايقها تبسمت ليان على قول والدة زوجها ، فأهدتها قبلة بالهواء وقالت : –تسلميلى يا ماما منى عايزة اقوم أبوسك بس الظروف بقى ضحكوا جميعهم على قولها ، فرأت منى ولديها عادوا من العمل ، فنهضت هى ورهف لإستقبالهما كالعادة ، فشدت ليان رهف من مرفقها وهى تقول : – بت يا رهف عايزة لبان فراولة نفسى هفتنى عليه مش عارفة ليه جايز الوحم ردت رهف قائلة: – وحم إيه يا ليان دلوقتى دا انتى احتمال تولدى وأنتى قاعدة دلوقتى ، دا مش وحم دى طفاسة يا روحى ضربتها ليان على ذراعها برفق وهى تقول: – يلا أمشى مش عايزة منك حاجة تبسمت رهف على أفعال ليان ، فهى صارت شرهة جدا بتناول الطعام والحلوى ، ولكنها أسرعت لحقيبتها التى تجعلها بمكان قريب منها دائماً وأخرجت لها ما كانت تريده ، فناولتها علكتها المفضلة ، فتبسمت لها ليان وأخذتها منها وبدأت مضغها بتلذذ ____________ بعد مرور أسبوع وبمنزل والد نسرين كانت الأجواء تعمها السعادة والزغاريد تصدح بالمنزل ، فاليوم هو يوم خطبة مالك ونسرين ، فبعد إخباره لعائلته بنيته بالزواج منها ، ذهب مع شقيقه ووالدته لطلب يدها ، وبعد موافقتها وموافقة والديها ، قررا عمل حفل الخطبة بمنزل أبيها وضعت نسرين الخاتم الذهبى بيدها اليمنى وهى لا تصدق أنها أصبحت خطيبته الآن ، فلابد أنها تحلم ، ولكنها لا تريد أن تستيقظ إن كان هذا حلماً فتبسم لها مالك وقال: – مبروك يا نسرين ردت نسرين بصوت مبحوح: – الله يبارك فيك أقترب منه شقيقه وأحتضنه مهنئاً له على خطبته وهو يقول بسعادة : – ألف مبروك يا حبيبى وربنا يتمم بخير وعقبال الفرح إن شاء الله ربت مالك على ظهر رفيق وهو يقول بحب : – ربنا يباركلنا فيك يا أبيه يارب أثناء جلوسها تصفق بيدها لطفلة صغيرة ترقص ، داهمتها ألام المخاض ، فبدأت تتململ بجلستها بشعور عدم الراحة ، فنظرت بوجه الحاضرين تبحث عن زوجها لتخبره بما تشعر به ولكنها لم تستطيع كتمان صيحتها المتألمة فصرخت قائلة : – أااااااه ألحقونى شكلى بولد اااااااه ساد الهرج والمرج بالمنزل ، ولم تكف هى عن الصراخ ، فأخذها زوجها سريعاً للمشفى وتبعه الأخرون ، فبعد وصوله وذهابها للغرفة التى ستضع بها مولودها لم تمر دقائق حتى سمعوا صوت بكاء الصغيرة ، فخرجت الممرضة تحملها وناولتها لوالدها ، الذى شعر برجفة السعادة تنتشر بجسده وهو يحملها بين ذراعيه ، فتاة صغيرة وضئيلة الحجم تغمض عينيها وتتثائب بفمها الصغير ، كأن أحدهما أزعجها من نومها فتبسم بسعادة وهو يقول: – حبيبة بابا نورتى دنيتى قبلها رفيق بحرص وناولها لوالدته وخر ساجداً شكراً لله ، فاقتربت رهف من الصغيرة وهى تقول بحماس : – قلب عمتو يا ناس يا صغننة أنتى يا جميلة قبلها الجميع بحرص وأخذتها الممرضة ثانية لتذهب بها للغرفة ، التى ستنتقل لها ليان بعد خروجها فنظر مالك لنسرين التى أصرت على الحضور هى ووالديها وقال: – وش خطوبتنا حلو ليان ولدت وأبيه رفيق بقى عنده بنت عقبالها إحنا كمان إن شاء الله – إن شاء الله همست بها نسرين بأنفاس تكاد تتلاشى من شدة خجلها الممزوج بسعادتها من أن حلمها المستحيل أصبح بمتناول يدها أقترب أكمل من رفيق يهنئه على ولادة صغيرته قائلاً : – مليون مبروك يا حبيبى تتربى فى عزك إن شاء الله ويجعلها ذرية صالحة وتفرح بيها رد رفيق قائلاً: – الله يبارك فيك يا صاحبى وعقبال ما تقوم سارة بالسلامة إن شاء الله ولج رفيق الغرفة التى تم نقل ليان بها ، فوجدها تنظر له بحنان وهى تداعب رأس الصغيرة ، فجلس على طرف الفراش قائلاً : – حمد الله على السلامة يا حبيبتى – الله يسلمك يا حبيبى شوفت بنتنا جميلة إزاى قالتها ليان وهى تتفرس بوجه صغيرتها بحب وعطف أمومى فداعب رفيق وجنتها وهو يقول بصوت متهدج: – طالعة جميلة زى أمها اللى بتسحر أبوها بنظرة عينيها وبتخليه أسير حبها وعشقها غامت عيناها بالحب وهى تقول: – وأمها بتحبك وبتموت فيك كمان أخذ يدها بين يديه وهو يضغط عليها بمحبة ، فهو اليوم كأنه ربح الجائزة الكبرى ، فصار لديه إبنة منها ، صغيرة ستنازعها على قلبه ، سيعشقها كعشقه لأمها ويدللها بحب فبعد مرور بضعة أشهر وضعت ليان الصغيرة التى لم تكمل شهرها السادس بعد على الفراش ، بعدما ألبستها ثوبها الأبيض الجميل ، فاليوم هو يوم زفاف عمها مالك ، فالحفل مقام بقاعة إحدى الفنادق الفخمة ، فرفيق عمل على إعداد حفل زفاف تاريخى من أجل شقيقه الأصغر ، وإبتاع لوالدته ولها ولرهف وللصغيرة أثواب من الحرير المخملى ، زادت من جمالهن ورقتهن وقفت أمام منضدة الزينة تعمل على إنهاء إرتداء حجابها ، ورفعت سلسال ذهبى لتضعه حول عنقها ، فقبل أن تعمل على غلق القفل الخاص به ، وجدت زوجها يمد يده يغلقه هو ، فنظرت له بالمرأة ، فكم يبدو جذاباً ووسيماً وآسراً بتلك الحلة السوداء التى يرتديها ، فأمعنت النظر بتلك الندبة بوجهه ، والتى تجزم أنها كوسام للرجولة حصل عليه بوقت مبكر لم يكن يدعها تذهب هكذا من بين يديه بسهولة ، فلم يكن بحاجة لمزيد من التودد لها ، فوجدها هى من تغدقه بما فاض بقلبها العاشق له ، فسمعا صوت الصغيرة وهى تصدر أصواتاً وتضحك ، كأنها سعيدة بحب أبويها فتبسمت ليان وهى تنظر لها : – شايف بنتك مبسوطة أوى كأنها بتتفرح على التليفزيون إلتفت رفيق برأسه ينظر لصغيرته الموضوعة بمنتصف الفراش ، فتبسم قائلاً: – حبيبة قلبى دى وأجمل حاجة أنها أخدت لون عينيكى يا ليان فعاد ونظر إليها ثانية ، فعبث بربطة عنقه وهى تقول بدلال : – هى عينيا عجباك أوى كده –دى هى اللى خلتنى أقع فى حبك من أول نظرة عيون بتسحر وبدوب القلب فى ثوانى قالها رفيق وهو يمعن النظر بعينيها ، كأنه يريد سبر أغوارها ويعلم سرها فى أنها تأسره سريعاً بمجرد النظر إليها ، ولكن كل مرة يفشل فى معرفة سر تلك القوة التى تملكها عيناها ولكنه سعيد بإمتلاكها ، فهى حوريته الصغيرة و معشوقته وساحرته ، ومن عشق عنادها قبل هدوءها ، فلتسقه من خمر عينيها حتى تشعر قلبه بالثمالة ، فهو لن يتوب عنها أبداً ، فإن لامه أحد أنه بالعشق ذاب قلبه مغرماً ، فيقول لا عذرًا لى سوى أن عينيها كنهر من خمر لذة للعاشقين وأنى " فى هواها متيم " تمت بحمد الله بقلم سماح نجيب " سمسم "